حسين الوادعي

حسين الوادعي

تابعنى على

الفرق بين الدولة العلمانية والدولة الدينية

الاثنين 02 أغسطس 2021 الساعة 11:22 ص

قد يكون هناك علمانيون سيئون مثلما هناك إسلاميون سيئون.

وقد يكون هناك علمانيون ضد الحرية والديمقراطية والتسامح، مثلما هناك إسلاميون ضد الحرية والديمقراطية والتسامح.

لكن...

هناك نماذج ناجحة جدا للدولة العلمانية وللعلمنة.

 نماذج ضمنت لشعوبها الاستقرار والتحرر والإبداع والنهوض.

بينما لا يوجد نموذج إيجابي واحد للدولة الدينية أو الدولة الإسلامية قديما أو حديثا. 

كل الدول الدينية بلا استثناء كانت دول حروب وتصفيات مذهبية وقمع وإرهاب.

هناك علمانيات دكتاتورية، وعلمانيات ديمقراطية.

لكن لا يوجد دولة دينية واحدة ديمقراطية.

هناك تجربة تنجح أحيانا وتفشل أحيانا حسب درجة قناعة النخبة والمجتمع والظروف المساندة هي الدولة العلمانية.. (هناك أكثر من 120 دولة علمانية حاليا أكثرها ناجح).

وهناك تجربة فشلت وتفشل على الدوام وتنتقل من تجربة متوحشة لتجربة أشد توحشا هي الدولة الدينية (إسلامية أو مسيحية أو يهودية... أو دين سماوي أو أرضي قديم أو حديث).

*  *  *

عقلنا المستقيل وعقلهم الناشط!

كان الجابري قد تحدث عن ظاهرة "العقل المستقيل" في الثقافة العربية الإسلامية. 

ذلك العقل الذي لا يسعى للوصول إلى نتائج مبنية على مقدمات منطقية وبحث علمي، وإنما وظيفته البحث عن "أدلة عقلية" تثبت صحة خرافات وأفكار دينية موجودة مسبقا.

هناك خمسة جوانب في تحليل الجابري للفوارق بين مفهوم العقل عند العربي وعند الأوروبي اعتقد أنها مسؤولة، إلى حد كبير، عن حالة التخلف العقلي التي لا زلنا نعيشها مقابل حالة الازدهار العقلي التي يعيشها الأوروبيون والأمم الأخرى التي مشت في ركابهم (اليابان والصين مثلا).

الفرق الأول: العقل بالنسبة للأوروبي هو الآليات التي عن طريقها نصل للحقيقة ونعصم أنفسنا من الوقوع في الخطأ. 

أما بالنسبة للعربي فالعقل هو "الحجر أو الحبس". 

"والعاقل من يحبس نفسه عن هواها"!

الملفت للنظر هنا أن العقل عند الأوروبي مرتبط بالحرية والانطلاق بلا قيود في فهم العالم. 

بينما يرتبط العقل عند العربي بالحبس والتقييد والحجر.

 فالإنسان العاقل عربيا ليس الإنسان المفكر وإنما الذي يكبح جماح عقله وسلوكه!

الفرق الثاني: أن العقل عند الأوروبي مستقل بذاته وقادر على إنتاج معرفة موضوعية وصحيحة بالعالم والإنسان. 

أما عند العربي فالعقل تابع للنص (الديني أو الاجتماعي) والمعرفة الناتجة عن العقل غير موثوق فيها!

الفرق الثالث: أن العقل عند الأوروبي مرتبط ب"المعرفة" فهو أداة لإنتاج المعرفة. 

أما عند العربي فالعقل ليس مرتبطا بالمعرفة وإنما بالأخلاق! والتفكير العقلي ليس إنتاج معرفة جديدة وإنما التأكيد على الالتزام بالأخلاقيات الموروثة والمضمونة.

 بلغة أخرى العقل العربي عقل "معياري" يفكر بمبدأ الحلال والحرام وليس بمنطق الصحيح والخاطيء.

 وليس كل حرام خاطئا ولا كل حلال صحيحا!

الفرق الرابع: أن العقل عند الأوروبي "أداة" أما عند العربي فهو "مضمون" جاهز. 

لهذا تتنوع المعارف عند الأوروبي وتتجدد ويتم دحض نظريات وتبني نظريات جديدة بشكل طبيعي.

 بينما لا تجد فرقا بين ثقافة العربي في القرن السابع وثقافة العربي في القرن الحادي والعشرين. 

بل أن العقل لا زال قوة مشكوكا فيها ومتهمة عند العربي.

 وهذا ما يمكن أن نلمسه بسهولة في نقاشاتنا اليومية.

 فالأمة الوحيدة التي لا زالت تهاجم العقل وتهاجم العلم هي الأمة العربية - الإسلامية. 

ولا زلنا نقرأ يوميا محاججات ومناقشات "عقلية" تحاول إقناعنا أن العقل لا يؤدي إلا إلى الضلال.

 وأرى أن قمة البؤس العقلي أن تجد شخصا يحاول إقناعك "بالعقل" أن العقل لا يؤدي إلا إلى الضلال. ويحاول إيراد أدلة "علمية" ليقنعك أن العلم محدود ونتائجه غير مضمونة!!

الفرق الخامس: إن وظيفة العقل عند الأوروبي اكتشاف قوانين الطبيعة والعالم.

 بينما وظيفة العقل عند العربي هي التأمل في الطبيعة من أجل معرفة الخالق "الله". 

التفكير عند الأوروبي يؤدي إلى اكتشاف نظريات الفيزياء والكون وحقائق الكيمياء وإنتاج التكنولوجيا والحضارة. 

 بينما يؤدي التفكير عند العربي إلى إعادة تأكيد الإيمان بالخالق وإعادة تأكيد صحة الدين. 

 لهذا يكتفي المسلمون بالحديث عن الإعجاز العلمي عبر ادعاء أن كل الابتكارات موجودة في القرآن والسنة.

 وبعد إثبات ذلك يذهبون إلى "الغرب الكافر" لشراء أحدث منجزات العلم والتكنولوجيا دون أن يسألوا أنفسهم لماذا لم يبتكروها هم ما داموا يدعون أنها موجودة في القرآن منذ 1400 سنة!

لا زال العقل العربي أداة "ترديد" لا أداة "تفكير". 

و لا زالت العقلانية عند العرب والمسلمين نوعا من  الشتيمة والاتهام. 

بينما أصبح الأوروبيون ينظرون إلى الطبيعة على أنها عقل بل ينظرون إلى الله بصفته العقل الكلي أو العقل الكوني. 

كم نحتاج من الوقت والجهد لننتقل من العقل المستقيل إلى العقل المفكر؟ 

الخطوة الأولى تغيير نظرتنا للعقل ونقتنع أنه أداة حرة وغير مقيدة لإنتاج معارف جديدة وليس أداة محاصرة مهمتها تبرير المعارف والخرافات القديمة وإضفاء صبغة علمية زائفة عليها.

*جمعه "نيوزيمن" من منشورات للكاتب على صفحته في الفيسبوك