حسين الوادعي

حسين الوادعي

تابعنى على

استعباد للإنسان بأيادٍ "وطنية"

الثلاثاء 31 أغسطس 2021 الساعة 09:48 ص

لم يبق العرب والمسلمون أي قيمة تذكر لكلمات مثل "النصر" و"التحرير".

هذه الكلمات النبيلة تفقد سمعتها عندما يتحول "النصر" إلى انتصار على المواطن المقهور، ويتحول "التحرير" إلى استعباد للإنسان بأيادٍ "وطنية".

لا تختلف انتصارات حزب الله والحوثي عن تحرير طالبان.. انتصارات تقذف بالإنسان إلى هاوية الفقر والإذلال، وتحرير يستعبد الإنسان روحا وجسدا.

إن النصر الذي يأتي على يد "وكلاء الله" على الأرض أسوأ من الهزيمة، والتحرير الذي يأتي على يدهم أشد أنواع العبودية.

*  *  * 

أفكر في حال المثقف /الكاتب الغربي وهو يقضي حياته في الكتابة والتأليف والنقد دون أن يتلقى تهديدا واحدا، أو يعاني من عدم وجود منبر ينشر كتاباته الجريئة.

يكتب ولديه هدف واحد هو أن يفهم الجمهور فكرته.

وأقارنه بحال المثقف /الكاتب العربي /المسلم الذي يكتب في حقل مليء بالألغام، فيكتب المقال في يوم ويعاني من آثاره شهورا بين تهديد وتنديد وتحذير وتنبيه وشتائم وبذاءات ومكالمات من أرقام مجهولة تهدد بالثأر والانتقام؟

وليس غرييا بعد هذا كله أن يقضي الكاتب العربي حياته دون أن يقول حتى نصف الحقيقة التي كان يتمني أن يقولها. 

أما من تجرأوا ليقولوا نصف الحقيقة فمن النادر أن يعيشوا بعدها ليقولوا النصف المتبقي.

*  *  *

البعض تصيبهم لعنة الاسم..

تلاحقهم حتى إنها تحجب عن الناس قراءة نتاجهم الفكري، لأن العيون تظل مشدودة إلى الاسم أو اللقب الذي يشير إلى انتماء مذهبي أو عرقي.

تحدث جورج طرابيشي عن أزمة اسمه "غير العربي" الذي جعل مساهماته في نقد القومية العربية ونقد الإسلام تتعثر وتختفي أمام ضباب مدلولات الاسم.

لم يكن للانتماء المسيحي أدنى تأثير في أفكاره، فهو علماني وملحد، وكتاباته تأثرت بالماركسية في البداية ثم بالفرويدية ثم بالعقلانية الليبرالية في نهاية حياته. 

لكن كيف يمكن ل"جورج" أن ينقد العقائد العربية الكبرى دون أن تلتفت العيون لاسمه قبل قراءتها لأفكاره؟!

لكن الأزمة كانت أعمق مع لويس عوض.

 لقد ظهر ناقدا صلبا للقومية العربية في عز صعودها، ومناديا بالارتباط بالغرب الرأسمالي في العصر الذهبي للدعوة الاشتراكية، ثم مفككا للأساطير الدينية عن الأصل الميتافيزيقي للغة العربية في ذروة صعود الحركات الإسلامية.

كان لويس عوض علمانيا لا دينيا لا دور لخلفيته الدينية في أفكاره، لكن التاريخ لا يرحم مثقفي "الأقليات" المتمردين.

 والصورة أكثر تعقيدا فيما يتعلق بادونيس.

تخلى ادونيس عن اسمه الشيعي (علي) لصالح اسم وثني، لكنه ظل متهما بتأثير خلفيته "العلوية".

 ظهر ادونيس منذ البداية نموذجا للمثقف العربي الذي يتكلم لغة واحدة صريحة وغير مراوغة. 

فهو يعلن إلحاده بصراحة، ويطالب بوضوح بالقطيعة مع التراث، وينتقد الربيع العربي في عز قوته.

إن كل من قرأ كتبه الأساسية لن يجد أدنى تأثير لأي انتماء مذهبي في كتاباته.

 وهو في الحقيقة لم يؤيد الثورة الإيرانية حسب الاعتقاد الشائع، بل تشكك فيها منذ الأيام الأولى، في حين أن مثقفين غربيين مثل ميشيل فوكو، ومثقفين "سنيين" وماركسيين وقوميين مثل أحمد بهاء الدين وحسن حنفي وهيكل وفهمي هويدي وأنور عبد الملك ورضوان السيد ووجيه كوثراني والياس خوري (من بينهم مسيحيون أيضا) استمروا في تبجيلها سنوات طويلة.

وكان نقده للربيع العربي منطلقا من فكرة أثبتت الأحداث أنها صحيحة، وهي أن الطابع "الإسلامي" للربيع سيحوله إلى جحيم لا يطاق.

لكن لعنة الاسم لا تنفصل عن لعنة الأيديولوجيا.

 فالمثقفون الثلاثة المدانون هراطقة كبار، غير منتمين لأي قبيلة حزبية. 

لهذا يعاقب الخارج على القبيلة بلعنة الإلغاء.

تزداد الظاهرة حدة اليوم في عصر الطوائف القاتلة.

 ليس بالضرورة أن تكون بنفس قامة ادونيس وطرابيشي وعوض. قد تتحول رغما عنك إلى عدو لطرف ما لأن لديك لقبا أو اسما محملا بدلالات معينة.

 قد لا تعني هذه الدلالات شيئا لصاحب الاسم، لكنها تعني كل شيء لمن يراقبونه وينظرون له في مراياهم المقعرة.  

سيتم قولبتك مرة واحدة وللأبد.. سيقرأون اسمك ولقبك فقط.. وسيكون هذا بالنسبة لهم.. كل شيء!

 *جمعه "نيوزيمن" من منشورات للكاتب على صفحته في الفيسبوك