د. عيدروس نصر

د. عيدروس نصر

تابعنى على

الذين يقرأون الرسالة بالمقلوب

السبت 18 سبتمبر 2021 الساعة 10:19 ص

عندما انطلقت الفعاليات الاحتجاجية السلمية في العاصمة الجنوبية عدن وفي المكلا وسيئون وعتق وحبان وغيرها من المدن الجنوبية، كان الأمر واضحاً بأن المواطنين الجنوبيين قد فاض بهم الكيل ولم يعودوا يقوون على تحمل المزيد من حرب الخدمات وسياسات التجويع ومحاولات التركيع التي تمارسها عليهم حكومة "الشرعية المهاجرة" على مسمع ومرأى من الأشقاء قادة التحالف العربي -رعاة اتفاق الرياض.

لكن إعلام وقادة تلك الحرب التي خرج المتظاهرون احتجاجا عليها ذهبوا لقراءة الرسالة بالمقلوب، متصنعين الغباء، أو على طريقة "غباء ينفعك أفضل من ذكاء يضرك"، معتقدين أنهم بذلك قد أقنعوا الجمهور ببراءتهم من الجريمة التي يحتج عليها المحتجون.

ابتهج هؤلاء الساسة والإعلاميون بفعالية عدن وحرصوا على تصوير المطالبين بخروج "القرود" ولم يقولوا شيئا عن مطالبات المحتجين بالخدمات الضرورية التي كانت حتى العام 1990م يومية وشبه مجانية، فأعدموها وحولوها إلى جزء من قصص التاريخ، كما لم يصوروا المحتجين المسلحين وهم يطلقون النار على رجال الشرطة وأفراد الحزام الأمني، بل كرروا قراءة القصة بالمقلوب، وقالوا إن رجال الأمن هم من أطلقوا النار على أنفسهم.

*        *        *

أما في شبوة وحضرموت اللتين شهدتا احتجاجات جماهيرية واسعة ومشابهة لتلك التي في عدن في أكثر من مدينة، مع فارق أنها لم تتحدث عن "القرود"، فقد صور هؤلاء تلك الاحتجاجات على أنها جزء من مؤامرة (حوثية انتقالية إماراتية إيرانية)، في خلطة عجيبة لا يتقن صناعتها إلا الدجالون من السحرة والمشعوذون عندما يصنعون الحروز والتعويذات المغشوشة لزبائنهم الأغبياء.

وفي محاولة خائبة لتأكيد هذه الوصفة المغشوشة راحوا يسلمون مديريات كاملة في البيضاء وشبوة للجماعة الحوثية، بينما أرسلوا أرتالا من الجنود والآليات لاعتقال وقمع المتظاهرين في شبوة وحضرموت ليصوروا للعالم أن المطالبة بالمرتبات والماء والكهرباء والدواء والغذاء مؤامرة (انتقالية إماراتية) خطيرة وخيانة وطنية كبرى، أما تسليم المعسكرات والأسلحة والمواقع والمديريات والمحافظات للجماعة الحوثية فهو عملٌ تكتيكيٌ شريف وبطولة وطنية نادرة.

*        *         *

وحينما أصدر الأخ اللواء عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، قراراته الأخيرة القاضية بإعلان حالة الطوارئ والتعبئة العامة في مناطق تواجد قواته لمواجهة محاولات الأعداء إعادة غزو العاصمة عدن وتأبيد الاحتلال الغاشم الممتد منذ 1994م، قالوا إن هذه الإجراءات موجهة ضد الاحتجاجات المطالبة بتنفيذ الحكومة لواجباتها بعد هروبها التاريخي الذي لا ترغب في التراجع عنه.

مرة أخرى يقرأون الرسالة بالمقلوب، تذاكياً أو تغابيا فالأمر سيان والنتيجة واحدة، إذ أنهم ما يزالون يعتقدون أن العالم لا يعلم بالاتفاقات التي يعقدونها مع الحوثي والتي يعلنها هو من على القنوات الفضائية، أو أن العالم لا يدري بأن المديريات التي يسلمونها للحوثي تقع تحت سيطرة قواتهم وليست تحت سيطرة الإمارات أو الانتقالي، وأن إجراءات قيادة المجلس الانتقالي الطارئة ليست سوى لمواجهة المؤامرات التي يحيكونها مع الحوثيين لإيقاف مسرحياتهم الممتدة منذ سبع سنوات وتوحيد حربهم على الجنوب أولاً وبعدها "ما فيش بين الإخوان حساب".

قراءة الرسائل بالمقلوب سياسة لم تعد مقنعة لكل ذي عينين أما جدواها فهي تحت الصفر بكثير، لأنها ببساطة، تكشف غباء من يمارسونها وتقدم دليلاً إضافياً على عدم أهلية هؤلاء لتحمل المسؤوليات الوطنية، وأنهم لا يكترثون لشأن الوطن والمواطن ولا هم لهم في ما يعانيه الشعب جراء سياساتهم الحمقاء ودسائسهم المكشوفة وفشلهم في الإمساك بأصغر الملفات وأقلها شأناً، ناهيك عن تحرير البلاد وبناء الدولة (المزعومة) وهي المهمات التي أخفقوا فيها على مدى عقود متواصلة من نهبهم للبلد وأهلها.

*من صفحة الكاتب على الفيسبوك