د. صادق القاضي

د. صادق القاضي

تابعنى على

استكشاف "بئر برهوت".. مغامرة وأسرار وأساطير عازمة على الرحيل.!

السبت 18 سبتمبر 2021 الساعة 11:57 ص

أليس من العجيب الغريب أنّ مكاناً ميثيولوجياً شهيراً في التراث الديني والقومي والوطني.. كـ"بئر برهوت". لم يُستكشف إلا اليوم.!

لم يُثر. من قبل. فضول أحد من الهواة والمستكشفين.. طوال التاريخ.!

لم يدخلها أحد من المغامرين: يمنيين وأجانب.!

لماذا.؟! 

هل السبب هو الخوف المرتبط بالخرافات والأساطير المرعبة ذات العلاقة.؟!

لكن المغامرين والمستكشفين.. لا يؤمنون بهذه الأساطير. وعلى العكس هي في العادة تثير اهتمامهم وتدفعهم للمغامرة.

الأرجح أن السبب هو موقع هذه البئر من اليمن، وموقع اليمن من العالم.

أعتقد لو أن هذه البئر كانت قريبة من مدينة أو ريف يمني مزدحم لكانت قد استكشفت منذ قرون، وربما قد أصبحت بئراً للشرب أو مكباً للنفايات.!

ثم إن المناطق الداخلية في اليمن ليست لافتة لنظر الرحالة والمغامرين والجنود التابعين للغزاة من الغرب.

حتى بريطانيا التي احتلت الجنوب لأكثر من قرن. لم تصل إلى مثل هذه المناطق المقطوعة.!

في كل حال. فقد تم الأمر مؤخراً. وتبين أن هذه البئر الواقعة في مديرية شحن التابعة للمهرة، والتي تسمى "خسفيت فوجيت" باللغة المهرية، هي بالمواصفات التالية:

- قطر فوهة الفجوة من الأعلی (30 مترا).

- قطر القاع الأسفل (116 مترا).

- ‏العمق (112 مترا).

- نسبة الأكسجين (طبيعي جدًّا).

- نقاوة المياه (نقية وعذبة جدًّا).

- درجة الحرارۃ (30 درجة مئوية).

- يوجد فيها أربعة شلالات، تتدفق من جدران البئر إلى قاع البئر؛ وتتسرب في تجويف جانبي بطول 4 أمتار.

أحدث الكشف عن هذه المواصفات المادية، مؤخراً. ضجة واسعة. لسببين:

أولاً: كمغامرة. هتكت الحجاب عن مكان محفوف بالأسرار والغموض. آلاف من اليمنيين والعرب.. تمنى كلٌ منهم لو أنه هو من قام بهذه المغامرة التي فاز بحق السبق فيها فريق عماني. بأدوات وخطوات سهلة بسيطة.

وثانياً: كصدمة لمعتقدات عريقة مرتبطة بهذه البئر. مثل: أنها المقصودة في الآية "بئر معطلة وقصر مشيد"، وأنها مسكونة بالجن والعفاريت، وبأرواح الكفار والمنافقين، وأنه في آخر الزمان ستخرج منها النار التي ستسوق الناس لأرض المحشر.!

على صعيد نوعية الماء فحسب. تبين أن ماء هذه البئر عذب نقي طبيعي.. وأن لا صحة بتاتاً للمرويات الدينية التي تنص على أن ماءها "أسود منتن، وشر ماء على وجه الأرض".!

بطبيعة الحال. لا تنتمي هذه المرويات إلى المعلوم من الدين بالضرورة، وكما تبين فقد كانت هذه البئر مكانا ينتمي إلى المجهول الغامض المظلم، قبل أن يتم إخراجه اليوم من هذه المنطقة المعتمة، إلى ضوء العلم.

العلم نور. ودائما هناك فجوات لا يدخلها هذا النور. في البداية. وعادةً. تظل هذه الفجوات المظلمة مكاناً مثالياً للخرافات والأساطير التي تتلاشى بمجرد تسليط الضوء على هذه الفجوات المعتمة.

في الحقيقة. ليس تماماً، فبعض هذه الخرافات والأساطير يحمل عصاه ويرحل، إلى فجوات أبعد ما تزال مظلمة مجهولة. حسب تعبير "تشارلز دوكنز" عن هذه النقطة، في حديثه عن "إله الفجوات". الذي كلما قام العلم بالكشف عن الفجوة التي يختبئ فيها، هرب إلى الفجوة التالية.!

وهكذا بعد الكشف عن حيثيات "بئر برهوت". يمكن بثقة توقع أن بعضهم. من المتدينين ورجال الدين. سيقومون بالقول: إن المقصود بـهذة البئر في الأحاديث النبوية هو مكان آخر بعيد وخفي للغاية.. غير هذا المكان المعروف بهذا الاسم حتى اليوم.!

في المقابل. يمكن بشيء من التأمل والتأويل التوصل إلى نتيجة أكثر منطقية، وهي أن الأوصاف الواردة لـ"بئر برهوت" في الأحاديث النبوية. يمكن إطلاقها مجازاً على أيٍّ من الجماعات الدينية، لا سيما المسلحة منها، وبالتالي فإن المقصود بهذه البئر هو "الإسلام السياسي" بمختلف فصائله السنية والشيعية.!

غير أن التأويل عملية خطرة. تنتمي إلى الخيال أكثر مما تلامس الواقع، وعموما لم تسقط خرافة "بئر برهوت" اليوم بعد استكشافها العملي، فقد كانت متهافتة منذ البدء بالنسبة للمفكرين والمثقفين والمستنيرين، والعمليين بشكل عام.

كان هؤلاء دائما ينظرون ويتحدثون بثقة عالية. عن مثل هذه الخرافات باعتبارها أساطير مكانية لا أساس لها من الصحة. وهذا الرؤية العقلانية تستند على واقع الخبرة المنهجية بالخرافات والأساطير، ما يغني عن الخبرة العملية بالأماكن نفسها.