أحمد سيف حاشد

أحمد سيف حاشد

لا زلت أبحث عن العدل المفقود يا هيفاء!

السبت 30 أكتوبر 2021 الساعة 10:43 ص

“هيفاء” نسمة بحر تحيي من تهواه.. نظرتها تزيح عن الكاهل تعباً محتدماً يصطك ببعضه.. تمسح عنه براحة كفيها ركام حزن طال وتقادم عهده.. تطفئ لواعج وحرائق من تشتاق.. غيث يهمي على الأرض الحرّى؛ فتخضر، وتلبس رونقاً.

 هي هبة الله في أرضه البكر.. قبس من روح الله وسره..

 “هيفاء” تسبيحات صوفي مسكون بالواحد، وشلال غفران دافق لا ينضب.. هيفاء في ملكوت الله وتسبيحات الكون باسمه، وصلاة عوالمه لجلالته.. هيفاء فتاة لا يشبهها أحد..

أنا فقير مُعدم مكروب الحال، خلقني الله في قاع البئر، أحاول إنقاذ ما بقي منّي، فيأبى قدري.. لا أحد يسمع صوتي المخنوق في أعماق الغور، مثقول بالحزن وبالوحشة.

 البئر المهجورة جفّت حتى صارت صلدة.. ونزفتُ فيها حتى آخر قطرة.

 حاولت أن أخرج منها فعجزت، وتخلّى عنّي الكل.. أعيتني الحيلة، فتحجّرت فيها، حتى صرت بعض منها.

كيف أقارن؟! والفارق كالفرق بين ذرّة رمل أصغر من عين النملة، ومجرَّة تتمدد في أقاصي الكون ولا تتوقف.

 إن الفارق أكبر، كالفرق بين مخلوق وخالقه الأول..؟!!

 هي بنت النور من بيت عالٍ، وأنا إنسان بسيط جدا.. مسحوق بين رحاها والحب الناقص.. أنا إنسان خلقت منكوبا من أول يوم.. ولا زلت أعيش خواي، وبؤساً أسمع صريره في صلب عظامي، وأعيش فراغاً في عاطفتي، بحجم هذا الكون وأكبر.

قبل سنين من معرفتي بهيفاء، وأنا عمري دون الرشد.. كنت أبحث عن مأوى بمساحة قبر، فوجدت الخيبة أكبر من مقبرة تتسع وتكبر.. فسكنت على سطح “مصباغة”.

 كل يوم تضحي الشمس على ظهري وتشويني في رابعة نهار يشتد.. يلهطني الحر.. من يرحمني من حر الكاوي، وغضب الشمس؟! 

وحُبيبات الحر تسلخ جلدي، وتشوِّه جسدي المنهك، ولا تترك مكانا فيه إلا وأصابت مقتل..

عدن كنت أذرع شوارعها وأجوس.. أتمنى أن أجد فيها بيتاً تأويني أو تتبنى ما فيني عاما أو شهرا.. فراغي وحنيني يهرس عظمي.. 

أبحث عن أسرة حانية تهتم بأمري.. كنت أرى من يملك في عدن بيتا من طوب أو بردين أو كوخا من قش، أشبه بمن أكمل دينه ودنياه وظفر بفردوس الرب..

أنا يا الله لا فرش لي ولا مأوى.. وعندما ابتسمت لي الدنيا، وجدتُ بيتا لم يكتمل بناؤه، كانت تشبه بيت الفئران، فيما بيت من أحببت تتعالى في منزلة تسمو جواره.. تحت ظلاله.. وإن فحش الوصف، أنزل درجة لأنال غفران الرب.. هكذا بدا لي الفرق بين الاثنين..

يا لفارق يقسم ظهري أعشارا، ويا عشرة إعسار تفتتني كحجرة جير رملي.. ماذا بقي منّي؟! 

طلبي يجعل فمي مكتظا بلساني المعقود بخرس الصخر، لمجرد تفكير غامر ومغامر في أن أطلب يدها، ولو حتى في الحلم المشفوع بالنوم الغارق في العمق.

 كيف لأصابع مجذومة بأمر الله، أن تحفر نفقا في الجبل وصم الصخر؟!!

 لا زلت أبحث عن عدل مفقود، في بلاد القسوة والظلم..

يا إلهي.. أنا ابن الدباغ المدبوغ بالفقر والحظ البائس.. كيف يمكن أن أجمع أشتاتي وشجاعة باتت تخذلني؟!

 كيف أفكر بطلب اليد، ويداي مقطوعة بالحاجة من الجذر.. إني أشبه بثائر يفكر بالثورة على مقدَس متجذر في عمق الوعي، ومتأصل في عمق الوجدان في وسط جامع غارق بالتهويم والتحريم الأشد غلاظة.

أي جنون هذا؟! 

كيف لفقير مهروس بالفقر، ومفتوت بالعوز البالغ، أن يتجرأ بطلب يد فتاة تعلوه بمسافة ضوء بعمر ألف سنة مما نعُد؟!! 

ماذا سأقول لها ولأهل العد إن سألوني هل لديك فلة، أو قصر يليق بملكة؟! 

سؤال يصعق جبلا ويقذف في وجهي خيبات الأرض، جحيم جهنم.. يا لحسرة بيت الفئران..

هل أنا باغ يا رب لمجرد تفكير في طلب الحب أو عقد قران.. 

حب صيرته منّي أبعد من عين الشمس.. كيف أسافر؟!!

 أنا عالق في غب الحسرة.. منكوب بوجودي، ملبوق حد الهذيان.. 

يبدو أن الله قد كتب لي في لوحه المحفوظ حظّي العاثر بالفقدان، والمصلوب بشقاء البؤس، وغياب يصل حد المعدوم..

قررت أن لا أتلاشى في وجه الفقر.. أن لا أتصالح مع الظلم الهابط كقدر لا يتزحزح.. أقاوم عدمي بتفان يتخلق منه إنسان لا يستسلم للجور.. وأن أستحضر وجودي بالطول وبالعرض في وجه غياب موحش وفراغ الفقدان.

 حضور أكثف وللفقراء أنحاز ضد طغيان الجوع والظلم الصارخ.

 شرف يبقى إن كنت حيا، أو مطمورا تحت الأرض في محراب الخلد أجترح المجد ألف سنة.

يتبع..

من تفاصيل حياتي

*من صفحة الكاتب على الفيسبوك