العلاقات السعودية-الإماراتية.. شراكة استراتيجية تتجاوز الضجيج الإعلامي
السياسية - منذ ساعة و 38 دقيقة
الرياض، نيوزيمن:
في وقت تتزايد فيه حدة الاستقطاب السياسي والإعلامي في المنطقة، وتتصاعد فيه محاولات توظيف الفضاء الرقمي لإعادة تشكيل الانطباعات عن علاقات الدول، تبرز العلاقات السعودية-الإماراتية بوصفها واحدة من أكثر الشراكات الإقليمية تعرضًا لمحاولات التشويه والتأويل المضلل.
هذه المحاولات، التي غالبًا ما تستند إلى تضخيم تباينات ظرفية أو اجتزاء مواقف سياسية، تصطدم بواقع شراكة ممتدة الجذور، تشكّلت عبر عقود من التنسيق السياسي والتكامل الاقتصادي والتلاحم الاجتماعي، ما جعلها عصية على الاهتزاز أمام الحملات الإعلامية العابرة.
في كل مرة تتماسك فيها الشراكات العربية الفاعلة وتزداد قدرتها على التأثير الإقليمي، تتكثف في المقابل حملات التشويه المنظمة التي تقودها شبكات إعلامية وحسابات رقمية عابرة للحدود، تتغذى على الشائعات وتعمل على تضخيم التباينات واصطناع الأزمات. وتبرز في هذا السياق جماعة الإخوان المسلمين كأحد أبرز الفاعلين في هذا النوع من الحروب الإعلامية، عبر ما بات يُعرف بـ"الذباب الإلكتروني"، الذي يوظَّف لاستهداف العلاقات السعودية-الإماراتية، بوصفها حجر زاوية في منظومة الاستقرار الخليجي والعربي.
وتشير قراءات إعلامية متطابقة إلى أن حملات التشويه الإخوانية لا تنطلق من خلافات حقيقية، بقدر ما تقوم على استراتيجيات ممنهجة تهدف إلى خلق انطباعات مضللة، عبر تسويق أخبار مفبركة، ومحاولة الإيحاء بوجود تصدعات داخل التحالفات العربية، في مسعى لتعويض التراجع السياسي والتنظيمي الذي مُنيت به الجماعة في عدد من الدول العربية خلال السنوات الأخيرة. ويعتمد هذا الأسلوب على منصات وحسابات تُدار من خارج المنطقة، غالبًا من تركيا، حيث تحوّلت الأذرع الإعلامية للإخوان من أدوات نقل خبر إلى منصات تحريض وتزييف للرأي العام.
علاقة ثبات وعمق استراتيجي
وفي هذا السياق، أكد الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، أن الروابط التاريخية والمتينة التي تجمع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة أقوى من محاولات التشويه التي تقودها ما وصفه بـ"الذباب الإعلامي"، مشددًا على أن هذه الحملات تسعى إلى استغلال أي تباينات طفيفة في وجهات النظر بين البلدين، دون أن تعكس حقيقة العلاقات الراسخة بينهما.
وجاءت تصريحات الأمير تركي الفيصل خلال جلسة حوارية عُقدت، الجمعة، ضمن فعاليات ملتقى "الاستثمار بحر" في جزيرة شورى السعودية، حيث تناولت الجلسة جملة من القضايا السياسية والإعلامية والاستثمارية ذات الصلة بالتحولات الإقليمية. وأكد الفيصل خلال حديثه أن العلاقات بين الرياض وأبوظبي تتسم بالثبات والعمق الاستراتيجي، داعيًا إلى ضرورة التعاطي مع المعلومات من خلال القنوات الرسمية، وعدم الانسياق وراء ما يُنشر على منصات التواصل الاجتماعي من تحليلات مغرضة أو أخبار غير موثوقة.
وأوضح الفيصل أن المعيار الحقيقي لتقييم العلاقات الثنائية لا ينبغي أن يُبنى على ما يُتداول في الفضاء الرقمي، بل على التصريحات والمواقف الرسمية الصادرة عن القيادات السياسية والمسؤولين في البلدين على مختلف المستويات. واستشهد في هذا الإطار بالتأكيدات الصادرة عن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ووزير الإعلام سلمان الدوسري، والتي شددت في مناسبات عدة على متانة العلاقات الأخوية السعودية-الإماراتية واستمراريتها.
وأشار رئيس مركز الملك فيصل للبحوث إلى أن الشراكة بين السعودية والإمارات تتجاوز الأطر السياسية والمصالح الدولية لتشمل شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية والأسرية المتداخلة بين الشعبين، مؤكدًا أن هذا البعد المجتمعي يشكل أحد أعمدة العلاقة الثنائية. ولفت إلى أن حركة الطيران النشطة بين البلدين، والتي تتجاوز 50 رحلة أسبوعيًا، تعكس مستوى التفاعل اليومي والتواصل المستمر بين الجانبين، وتُعد مؤشرًا عمليًا على قوة هذه العلاقة وحيويتها.
وفيما يتعلق بمحاولات استغلال بعض التباينات في وجهات النظر حول ملفات إقليمية معقدة، مثل الأوضاع في اليمن أو الصومال أو سوريا أو لبنان، شدد الأمير تركي الفيصل على أن هذه الاختلافات تظل ضمن إطار طبيعي لإدارة المصالح والسياسات، ولا تمس جوهر العلاقة أو الأسس التي تقوم عليها. وأكد أن المصالح الإنسانية والاستراتيجية المشتركة بين البلدين أكبر من أي خلافات ظرفية، ولا يمكن اختزالها في قراءات إعلامية سطحية.
وأضاف الفيصل أن العلاقة السعودية-الإماراتية تقوم على مبدأ "التناضح"، أي التكامل والانسجام وتبادل المصالح والخبرات، وليس "التناطح" أو الصدام، موضحًا أن هذا النهج يشكل ركيزة أساسية في سياسة المملكة تجاه دولة الإمارات، كما هو الحال مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي ومواجهة التحديات المشتركة.
ويأتي هذا التأكيد في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة، تفرض على دول المنطقة تنسيقًا أعمق في ملفات الأمن والتنمية والطاقة والاستثمار، وهو ما جعل الشراكة السعودية-الإماراتية عنصر توازن مهم في معادلة الاستقرار الخليجي والعربي، وفق مراقبين.
فخ التضليل الإخواني
في محاولة جديدة لهزّ استقرار التحالف العربي، كشف النفي الرسمي السعودي لشائعات استهدفت زيارة الشيخ طحنون بن زايد إلى المملكة، عن مخطط تقوده حسابات ومنصات تابعة لجماعة الإخوان المسلمين تهدف إلى بث الفتنة والوقيعة بين الرياض وأبوظبي.
وزير الإعلام السعودي، سالم الدوسري، قطع الطريق أمام حملة التضليل بتغريدة حاسمة عبر (إكس)، أكد فيها أنّ الأنباء المتداولة حول رفض استقبال الشيخ طحنون بن زايد "لا أساس لها من الصحة"، مشدداً على عمق الروابط بقوله: "سموّه يأتي إلى المملكة متى شاء من دون استئذان؛ فهي بيته وقيادتها أهله".
ووجّه ناشطون ومراقبون في السعودية والإمارات أصابع الاتهام مباشرة إلى "الذباب الإلكتروني" التابع لجماعة الإخوان المسلمين، وتحديداً الحسابات المرتبطة بحزب الإصلاح اليمني، المقيمين في تركيا.
وأوضح المتابعون أنّ هذه الحملة لم تكن عفوية، بل "عملية منظمة" تدار من منصات محسوبة على الجماعة، بهدف خلق شرخ وهمي في العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، واستخدام لغة "الشائعات العاجلة" لضرب وحدة التحالف العربي، ومحاولة التغطية على تراجع نفوذ الجماعة في المنطقة عبر اختلاق معارك وهمية بين الأشقاء،
وأكد ناشطون أنّ هذا "الاستهداف الإخواني" يندرج ضمن نمط متكرر من حملات التضليل التي تشنها الجماعة ضد دول الاعتدال العربي. وأشاروا إلى أنّ ارتماء الأذرع الإعلامية للإخوان في أحضان أجندات خارجية جعلها تفقد مصداقيتها، فقد تحولت من "منصات إخبارية" إلى "أدوات تحريض" تقتات على تزييف الواقع.
وشددت الردود الشعبية الواسعة على أنّ العلاقات بين السعودية والإمارات، القائمة على التاريخ والمصير المشترك، تظل "عصية على الاختراق"، وأكبر من أن تنال منها حسابات وهمية تدار من غرف مغلقة في الخارج، وأنّ المصدر الوحيد للحقيقة هو القنوات الرسمية للدولتين.
>
