ولاء لإيران وتحركات عسكرية حوثية تنذر بتصعيد واسع

السياسية - منذ ساعة و 14 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

تشهد الساحة اليمنية في الأيام الأخيرة تحولات ميدانية لافتة، مع دفع ميليشيات الحوثي تعزيزات عسكرية مكثفة باتجاه محافظة مأرب، بالتوازي مع إعادة انتشار واسع في مناطق الساحل الغربي، خصوصاً في محافظة الحديدة والمناطق الممتدة على طول الشريط الساحلي المطل على البحر الأحمر. 

هذه التحركات لا تبدو معزولة عن السياق الإقليمي المتوتر، بل تأتي في لحظة تتقاطع فيها الحسابات المحلية مع تصاعد المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، ما يضع اليمن مجدداً في قلب معادلة إقليمية معقدة تتجاوز حدوده الجغرافية.

وتشير قراءة أولية للمشهد إلى أن الجماعة تتحرك ضمن استراتيجية مزدوجة: تعزيز مواقعها الداخلية تحسباً لأي تغير ميداني، وإعادة تموضع قدراتها النوعية بما يمنحها هامش مناورة أوسع في حال اتساع رقعة الصراع في المنطقة.

رسائل تتجاوز الداخل

أفادت مصادر عسكرية يمنية بأن الجماعة دفعت خلال الأيام الماضية بآليات عسكرية ثقيلة ومتوسطة، إلى جانب مئات المقاتلين، نحو الجبهات الجنوبية لمحافظة مأرب. ويضم هذا التحشيد عناصر خضعت لدورات تعبئة وتجنيد مكثفة خلال السنوات الماضية، ما يعكس استمرار الاستثمار الحوثي في بناء قاعدة بشرية عسكرية طويلة الأمد.

وتحتل مأرب موقعاً استثنائياً في خارطة الصراع اليمني؛ فهي من جهة مركز ثقل عسكري لقوات الحكومة الشرعية، ومن جهة أخرى تمثل الرئة الاقتصادية الأهم نظراً لاحتياطاتها النفطية والغازية، إضافة إلى احتضانها بنية تحتية حيوية للطاقة. لذلك، فإن أي تحرك باتجاهها يُقرأ باعتباره محاولة لإعادة صياغة ميزان القوى، أو على الأقل إبقاء الجبهة مشتعلة كورقة ضغط دائمة.

ويرى مراقبون أن إعادة فتح ملف مأرب عسكرياً قد يكون مرتبطاً بإخفاقات سابقة للجماعة في تحقيق اختراق حاسم هناك، فضلاً عن سعيها لاستثمار اللحظة الإقليمية لفرض معادلة جديدة، سواء عبر تصعيد مباشر أو من خلال الضغط التدريجي واستنزاف الخصوم.

بالتوازي مع التحشيد في مأرب، شهدت مناطق الساحل الغربي إعادة تموضع لافتة للقدرات الصاروخية الحوثية. وأكدت مصادر مطلعة نقل منصات إطلاق صواريخ من مواقع جبلية في محافظة عمران إلى مديرية عبس بمحافظة حجة، القريبة من خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر، حيث تم تثبيتها في مواقع جديدة ذات طابع استراتيجي.

كما رُصدت تحركات مشابهة في محافظة البيضاء، حيث جرى نقل منصات صواريخ بعيدة المدى إلى مرتفعات تطل على مساحات واسعة باتجاه خليج عدن. ويعكس هذا الانتشار المدروس محاولة توسيع نطاق التغطية النارية وتعزيز القدرة على التهديد من عدة محاور.

ولا يُنظر إلى هذه التحركات باعتبارها ترتيبات دفاعية فحسب، بل تحمل رسائل ردع إقليمية واضحة، خاصة مع تلويح الجماعة سابقاً باستئناف الهجمات على الملاحة الدولية. ويعيد هذا المشهد إلى الواجهة المخاوف بشأن أمن البحر الأحمر، أحد أهم الشرايين التجارية العالمية، في حال قررت الجماعة تحويل التوتر السياسي إلى فعل عسكري مباشر.

ولاء معلن لإيران 

سياسياً، يترافق التحرك العسكري مع خطاب تصعيدي واضح من قيادة الجماعة، عبّر عن تضامن صريح مع إيران في مواجهة أي تهديدات عسكرية أميركية محتملة. ودعا زعيم الميليشيات عبدالملك الحوثي أنصاره إلى احتشاد واسع في صنعاء وبقية المحافظات، تحت لافتة "التضامن مع إيران"، مهاجماً الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة.

ويرى محللون أن هذه الدعوات لا تقتصر على بعدها الرمزي، بل تمثل تمهيداً نفسياً وتعبوياً لمرحلة قد تشهد تصعيداً عملياً. فالجماعة درجت، بحسب مراقبين، على استباق أي تحرك عسكري بدعوات احتشاد تمنحها غطاءً داخلياً وتُظهر خطواتها اللاحقة باعتبارها استجابة لإرادة شعبية.

وفي المقابل، تحرص الجماعة على عدم إصدار موقف رسمي مباشر بشأن المشاركة في أي مواجهة محتملة، وهو ما يُفسَّر بمحاولة تجنب استهداف استباقي، خاصة في ظل سوابق عسكرية سابقة تعرضت فيها لخسائر كبيرة. وبذلك توازن بين إعلان الولاء السياسي لإيران، والحفاظ على هامش مناورة تكتيكي في مواجهة الضغوط الدولية.

على الصعيد الداخلي، شرعت الجماعة في اتخاذ جملة من الإجراءات الوقائية تحسباً لأي تطورات إقليمية مفاجئة. وشملت هذه الخطوات تغييرات في بعض القيادات العسكرية والأمنية، وتشكيل لجنة مشتركة من أجهزة الأمن والمخابرات لتقييم الوضع الأمني يومياً، في مؤشر على رفع مستوى التأهب.

كما فُرضت قيود إضافية على تحركات بعض النشطاء، مع تشديد الرقابة على المنابر الدينية والإعلامية، في محاولة لإحكام السيطرة على الخطاب العام ومنع أي انزلاق قد يُفسَّر على أنه تململ داخلي.

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تهدف إلى امتصاص حالة الاحتقان الشعبي المتصاعدة نتيجة الضغوط الاقتصادية، وإظهار صورة "تصحيح داخلي" قبيل أي مواجهة محتملة، بما يضمن تماسك الجبهة الداخلية للجماعة.

ضغط وقلق استراتيجي

لم يقتصر التحشيد على مأرب والساحل، بل تزامن مع تصعيد ميداني في جبهات تعز والبيضاء وشبوة ولحج، في نمط يعكس إعادة تنشيط جبهات متفرقة بشكل متزامن. ويصف بعض الخبراء هذا الأسلوب بأنه استراتيجية "تشتيت الخصوم"، من خلال فتح مسارات تهديد متعددة تحول دون تركيز الجهد المضاد في جبهة واحدة.

غير أن قراءة أعمق تشير إلى أن هذا التصعيد قد يكون أيضاً انعكاساً لقلق استراتيجي لدى الجماعة من تغير موازين الصراع، سواء نتيجة ضغوط إقليمية أو تراجع بعض أوراقها الدعائية. فالتصعيد هنا لا يهدف بالضرورة إلى تحقيق حسم عسكري شامل، بل إلى إبقاء الجماعة رقماً فاعلاً يصعب تجاوزه في أي ترتيبات سياسية أو إقليمية قادمة.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو خيارات الجماعة مفتوحة على عدة مسارات؛ تصعيد محسوب يرفع سقف الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، أو إعادة توجيه النشاط نحو الداخل لتعزيز النفوذ وترتيب الأوراق استعداداً لأي تسوية، أو الانخراط في مسار تفاوضي إذا تصاعدت العقوبات والضغوط الدولية.

ويرى مراقبون أن ما يجري على الأرض لا يعكس بالضرورة قوة هجومية متنامية، بقدر ما يكشف عن محاولة استباقية للحفاظ على موقع مؤثر في معادلة إقليمية متغيرة. فالجماعة تسعى لإثبات جاهزيتها للقيام بدور إقليمي مرتبط مباشرة بتطورات الصراع بين واشنطن وطهران، دون أن تتحمل كلفة مواجهة تتجاوز قدرتها.