مجتبى خامنئي.. من "رجل الظل" إلى المرشد الأعلى لإيران

العالم - منذ ساعة و 35 دقيقة
طهران، نيوزيمن:

دخل اسم مجتبى خامنئي رسمياً إلى قمة هرم السلطة في إيران بعد سنوات طويلة من التكهنات والجدل حول دوره ونفوذه داخل النظام. فبعد مقتل والده المرشد الأعلى السابق علي خامنئي في غارة جوية، تحوّل الابن الذي عُرف لعقود بأنه أحد أبرز رجال الظل في "بيت المرشد" إلى القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية، في انتقال يُنظر إليه بوصفه تتويجاً لمسار نفوذ طويل بُني بعيداً عن المناصب الرسمية وبالاستناد إلى شبكة علاقات قوية داخل مؤسسات القوة في البلاد.

ويمثل صعوده إلى منصب المرشد تحولاً لافتاً في بنية السلطة الإيرانية؛ إذ ينتقل الرجل الذي ظل لعقود يعمل خلف الكواليس إلى موقع القرار الأول في الدولة، في وقت لا يزال الجدل قائماً حول طبيعة دوره السابق وحدود نفوذه داخل النظام السياسي والأمني.

مسار طويل من النفوذ غير المعلن

ولد مجتبى خامنئي في 8 سبتمبر 1969 في مدينة مشهد، في مرحلة كانت فيها عائلته جزءاً من المعارضة الدينية لنظام الشاه قبل قيام الثورة الإيرانية 1979 التي أسست الجمهورية الإسلامية. وقد نشأ في بيئة سياسية ودينية مرتبطة مباشرة بمراكز القرار، خصوصاً بعد صعود والده إلى موقع المرشد الأعلى عام 1989.

ورغم أنه واحد من ستة أبناء لعلي خامنئي، فإن مجتبى كان الأكثر حضوراً في الشأن العام، وإن ظل ظهوره الإعلامي محدوداً للغاية. فالرجل نادراً ما ألقى خطابات علنية أو أجرى مقابلات إعلامية، ما جعل صورته السياسية تتشكل أساساً عبر ما يُنسب إليه من أدوار خلف الكواليس داخل مكتب المرشد.

وخلال سنوات طويلة، وصفه مراقبون بأنه "حارس بوابة" المرشد، في إشارة إلى نفوذه داخل الحلقة الضيقة المحيطة بوالده. وقد أشارت برقية دبلوماسية أميركية عام 2007 نُشرت لاحقاً عبر تسريبات ويكيليكس إلى أن الوصول إلى المرشد كان يمر في كثير من الأحيان عبر مجتبى، وهو ما عكس مبكراً حجم تأثيره داخل مركز القرار الإيراني.

اللافت في المسار السياسي لمجتبى خامنئي أنه لم يشغل أي منصب حكومي منتخب أو معين طوال حياته السياسية، باستثناء عمله داخل مكتب والده. ومع ذلك، ظل اسمه حاضراً بقوة في التحليلات السياسية بوصفه أحد أبرز المؤثرين في صناعة القرار داخل الجمهورية الإسلامية.

هذا النفوذ غير الرسمي لفت الانتباه دولياً أيضاً. ففي عام 2019 فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عليه، معتبرة أنه يمثل المرشد الأعلى "بصفة رسمية" رغم عدم شغله منصباً حكومياً، وأن والده فوّض إليه جزءاً من مسؤولياته القيادية. كما أشارت الوزارة إلى أنه عمل بشكل وثيق مع الحرس الثوري الإيراني وذراعه العسكرية الخارجية فيلق القدس إضافة إلى قوات الباسيج في ملفات تتعلق بالسياسات الإقليمية والأمن الداخلي لإيران.

ويرى محللون أن إدراج اسمه في قوائم العقوبات الأميركية كان إقراراً ضمنياً بحجم نفوذه الحقيقي داخل النظام، حتى وإن لم يكن يشغل موقعاً رسمياً في الدولة.

علاقات وثيقة مع الحرس الثوري

اعتمد مجتبى خامنئي في بناء نفوذه على علاقاته الوثيقة بالمؤسسة العسكرية الأهم في البلاد، وهي الحرس الثوري. وتشير تقارير إلى أن هذه العلاقة بدأت مبكراً عندما شارك في وحدة قتالية تابعة للحرس خلال المراحل الأخيرة من الحرب الإيرانية العراقية (1980–1988).

ومع مرور الوقت تحولت هذه العلاقة إلى قاعدة دعم مؤثرة داخل النظام. إذ يرى بعض الباحثين أن علاقاته داخل الحرس الثوري، خصوصاً مع الأجيال الأصولية الشابة، عززت مكانته السياسية ومنحته تأثيراً إضافياً في دوائر صنع القرار الأمني والسياسي.

ويقول كسرى أعرابي، الباحث في منظمة متحدون ضد إيران النووية، إن مجتبى يتمتع بقاعدة دعم قوية داخل الحرس الثوري، واصفاً إياه بأنه كان يؤدي فعلياً دور "مرشد مصغّر" داخل النظام قبل وصوله رسمياً إلى المنصب.

وسياسياً، يُعد مجتبى خامنئي من التيار المحافظ المتشدد في إيران، وقد ارتبط اسمه بمعارضة التيار الإصلاحي الذي دعا إلى الانفتاح على الغرب وتوسيع الحريات السياسية.

كما كان اسمه حاضراً في محطات سياسية حساسة داخل الجمهورية الإسلامية، أبرزها انتخابات عام 2005 التي أوصلت محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة. فقد اعتقد كثير من المراقبين أنه لعب دوراً في دعم صعود أحمدي نجاد داخل المؤسسة المحافظة.

وعاد اسمه بقوة خلال أزمة انتخابات عام 2009، حين اندلعت احتجاجات واسعة بعد إعلان نتائج الانتخابات، واتهمه المرشح الإصلاحي مهدي كروبي بالتدخل لدعم أحمدي نجاد. ورغم نفي المرشد آنذاك لهذه الاتهامات، فإن الجدل حول دور مجتبى خرج يومها من نطاق النخب السياسية إلى دائرة النقاش العام.

موقع ديني دون رتبة والده

إلى جانب نشاطه السياسي غير المعلن، سعى مجتبى خامنئي إلى ترسيخ موقعه داخل المؤسسة الدينية. فقد درس العلوم الدينية في حوزات مدينة قم، أحد أهم مراكز التعليم الديني الشيعي في العالم، وبلغ رتبة "حجة الإسلام"، وهي رتبة دينية متوسطة أدنى من رتبة "آية الله" التي كان يحملها والده والمرشد المؤسس روح الله الخميني.

وبدأ منذ عام 2009 تدريس "درس خارج الفقه" في قم، وهو أعلى مستوى في الدراسات الحوزوية، في خطوة فُسرت على نطاق واسع بأنها محاولة لترسيخ مكانته العلمية وإظهار بلوغه مرتبة الاجتهاد.

وفي أغسطس 2023 استخدم موقع حوزة قم لقب "آية الله" قبل اسمه لأول مرة عند الإعلان عن فتح باب التسجيل في دروسه، وهو ما اعتبره بعض المراقبين مؤشراً على رفع مكانته الدينية تمهيداً لاحتمال توليه منصباً أعلى في المستقبل.

وظل اسم مجتبى خامنئي لسنوات مرتبطاً باتهامات بالسعي إلى توريث منصب المرشد من الأب إلى الابن، وهو أمر أثار حساسية كبيرة في إيران، لأن النظام الذي تأسس بعد ثورة 1979 قام على أنقاض نظام ملكي وراثي.

وفي أغسطس 2023 حذر الزعيم الإصلاحي مير حسين موسوي من "مؤامرة توريث" محتملة لمنصب المرشد. في المقابل، نفت شخصيات في المؤسسة الدينية والسياسية مراراً وجود أي خطة رسمية لتوريث السلطة.

لكن وفاة الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي في حادث تحطم مروحية عام 2024 أزالت أحد أبرز المنافسين المحتملين على موقع القيادة، ما عزز من حضور اسم مجتبى داخل المعادلة السياسية.

من الظل إلى قمة السلطة

بعد مقتل علي خامنئي في غارة جوية خلال الحرب الأخيرة، عاد اسم مجتبى إلى الواجهة بوصفه المرشح الأوفر حظاً لخلافته. ومع اقتراب مجلس خبراء القيادة من حسم قراره، كانت المعادلة تميل لصالحه مستندة إلى ثلاثة عناصر رئيسية: قربه العضوي من الحرس الثوري، ونفوذه داخل مكتب المرشد، وتمسكه بالنهج الأيديولوجي لوالده.

وبتعيينه مرشداً أعلى لإيران، ينتقل مجتبى خامنئي رسمياً من مرحلة النفوذ غير المعلن إلى موقع السلطة المباشرة.

ويرى مراقبون أن وصوله إلى هذا المنصب يفتح مرحلة جديدة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، إذ سيواجه اختباراً حقيقياً في إدارة نظام معقد يوازن بين المؤسسة الدينية والأجهزة الأمنية والعسكرية.

وبينما يراه أنصاره امتداداً طبيعياً لنهج والده، يرى منتقدوه أن صعوده يعيد إلى الواجهة الجدل القديم حول طبيعة السلطة في إيران وحدود العلاقة بين الدين والسياسة داخل الدولة.