نهاية "الحالة الرمادية".. الشرق الأوسط يدخل مرحلة الحسم الاستراتيجي
السياسية - منذ 3 ساعات و 5 دقائق
أبوظبي، نيوزيمن، خاص:
تتكشف ملامح تحوّل عميق يعيد صياغة بنية الشرق الأوسط. فالحرب الدائرة مع إيران لم تعد مجرد مواجهة تقليدية بين أطراف متنازعة، بل تحوّلت إلى اختبار شامل لقدرة الدول على البقاء والاستمرار تحت الضغط.
وقدّم تحليل مركز الإمارات للسياسات، الذي أعدّته الدكتورة ابتسام الكتبي، رئيس المركز قراءة استراتيجية موسّعة تكشف أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة تعريف شاملة لمفاهيم القوة والسيادة والردع، في سياق قد يؤسس لنظام إقليمي مختلف جذرياً عمّا ساد خلال العقود الماضية.
يؤكد التحليل أن الحرب الإيرانية الراهنة تمثل لحظة تأسيسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إذ لا تقتصر تداعياتها على إعادة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية، بل تمتد لتطال القواعد التي تحكم هذا النفوذ. فالصراع الحالي يعكس انتقالاً من نماذج القوة التقليدية القائمة على التفوق العسكري، إلى نماذج أكثر تعقيداً ترتكز على القدرة على الاستمرار وإدارة الأزمات.
ويشير إلى أن الحروب الكبرى في الشرق الأوسط تاريخياً كانت تعيد رسم ملامح الإقليم، غير أن خصوصية هذه الحرب تكمن في كونها تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والفاعلين غير الحكوميين، وبين الأمن والاقتصاد، بل وحتى بين الداخل والخارج، في ظل تداخل غير مسبوق بين هذه المستويات.
نهاية "الحالة الرمادية" وتحول نمط الصراع
يفصّل التحليل في توصيف نهاية مرحلة "الحالة الرمادية" التي حكمت المنطقة لعقدين، حيث كانت الصراعات تُدار عبر وكلاء، وتُضبط إيقاعاتها لتجنب الانفجار الشامل. هذه الحالة وفّرت نوعاً من الاستقرار الهش، لكنها في الوقت ذاته أبقت المنطقة في حالة توتر دائم دون حسم.
ومع اندلاع الحرب الحالية، تغيّر هذا النمط جذرياً، إذ انتقلت المواجهة إلى استهداف مباشر للعمق الاقتصادي والبنى التحتية الحيوية، بما في ذلك الموانئ وشبكات الطاقة والمطارات. هذا التحول يعني أن قواعد الاشتباك لم تعد قابلة للاحتواء ضمن حدود غير معلنة، وأن المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر وضوحاً في الصراع، لكنها أيضاً أكثر انكشافاً ومخاطر.
يتوسع التحليل في شرح التحول العميق في مفهوم السيادة، حيث لم تعد تُقاس فقط بقدرة الدولة على حماية حدودها، بل بقدرتها على الحفاظ على وظائفها الحيوية في ظل الاختراقات المتزايدة. ففي عصر الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية، تصبح الحدود أقل أهمية مقارنة بقدرة الدولة على ضمان استمرارية الخدمات الأساسية واستقرار الاقتصاد.
ويؤكد أن هذا التحول يعيد ترتيب موازين القوة، حيث تتفوق الدول التي تمتلك مؤسسات قوية واقتصادات متنوعة وقدرة على إدارة الأزمات. فالقوة لم تعد مرتبطة فقط بالقدرة على الرد العسكري، بل أيضاً بالقدرة على الحفاظ على ثقة المجتمع واستمرارية الدولة تحت الضغط.
تحول الردع: من منع الهجوم إلى إدارة تأثيره
وقدّم التحليل قراءة موسّعة لتحول مفهوم الردع، موضحاً أن الردع التقليدي القائم على منع الهجوم لم يعد كافياً في ظل تطور أدوات الحرب. فالهجمات باتت ممكنة رغم كل إجراءات الحماية، ما يجعل الهدف هو تقليل تأثيرها بدلاً من منعها بالكامل.
وبهذا المعنى، أصبح الردع متعدد الأبعاد، يشمل الدفاعات الجوية والصاروخية، والأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية، وإدارة الأزمات على المستويين الإعلامي والمجتمعي. ويؤكد أن القدرة على "إدارة الاختراق" باتت أكثر أهمية من القدرة على منعه، وهو ما يمنح الدول المرنة ميزة استراتيجية واضحة.
كما تناول التحليل بالتفصيل صعود الاقتصاد الجيوسياسي، حيث أصبحت البنى التحتية الاقتصادية هدفاً رئيسياً في الصراع. فاستهداف الموانئ والمطارات وشبكات الطاقة يعكس انتقالاً من الحروب التقليدية إلى حروب تستهدف شرايين الاقتصاد.
ويبرز مضيق هرمز كنقطة محورية في الصراع، ليس فقط لأهميته في نقل الطاقة، بل كأداة ضغط يمكن أن تؤثر في الاقتصاد العالمي. ويشير التحليل إلى أن الدول ستسعى في المرحلة المقبلة إلى تقليل اعتمادها على هذه النقاط الحساسة، وتعزيز شبكات الربط الاقتصادي البديلة.
تراجع فعالية نموذج الوكلاء الإقليميين
يستعرض التحليل حدود نموذج الوكلاء الذي اعتمدته إيران لعقود لتعزيز نفوذها دون الانخراط المباشر في المواجهة. ويؤكد أن هذا النموذج كان فعالاً في بيئة منخفضة التصعيد، لكنه يواجه تحديات كبيرة في ظل التصعيد الحالي.
فمع استهداف البنى الحيوية وارتفاع مستوى الانكشاف، يصبح الوكلاء أقل قدرة على التحكم في مسار الصراع، وأكثر عرضة للتحول إلى عبء استراتيجي. وفي المقابل، تعود الدولة لتكون الفاعل الرئيسي في تحديد قواعد اللعبة، ما يعكس تحوّلاً نحو مركزية القرار السيادي.
يُفرد التحليل مساحة واسعة لمفهوم "الدولة المرنة"، التي تُعدّ المعيار الأبرز للقوة في المرحلة المقبلة. فالتفوق العسكري لم يعد كافياً، بل أصبحت القدرة على إدارة الأزمات، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، وضمان استمرارية الاقتصاد، عوامل حاسمة.
ويشير إلى أن الدولة التي تستطيع الصمود تحت الضغط، والحفاظ على ثقة المجتمع، وإدارة التحديات بكفاءة، هي التي ستمتلك القدرة على تشكيل النظام الإقليمي الجديد. كما يعيد هذا المفهوم تعريف الشرعية، بحيث تصبح مرتبطة بالقدرة على الحماية والاستمرارية.
ويتوسع التحليل في شرح التحولات التي تشهدها التحالفات، حيث لم تعد قائمة فقط على مواجهة تهديدات أمنية، بل أصبحت شبكات معقدة تجمع بين الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا. وتتنافس الدول على تعزيز مكانتها داخل هذه الشبكات عبر تقديم قيمة مضافة.
كما سلّط الضوء على دور القوى الكبرى، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى إدارة الصراع دون التورط المباشر، بينما تركز قوى أخرى على حماية مصالحها الاقتصادية. ويعكس ذلك أن النظام الإقليمي الجديد سيتشكل في ظل توازنات دولية معقدة.
سيناريوهات متعددة لنهاية الحرب
يقدّم تحليل مركز الإمارات للسياسات تفصيلاً موسعاً للسيناريوهات المحتملة: أولها تسوية سياسية شاملة تعيد ضبط قواعد النظام الإقليمي، وتنظم دور الوكلاء، وتؤسس لترتيبات جديدة لأمن الممرات الحيوية، مع وضع قواعد اشتباك أكثر وضوحاً. والسيناريو هدنة هشّة تُبقي المنطقة في حالة "استقرار معلّق"، مع استمرار التوترات وضبابية القواعد، وزيادة احتمالات التصعيد نتيجة سوء التقدير. فيما السيناريو الثالث تصعيد ممتد يؤدي إلى إعادة تشكيل النظام بالقوة، مع تآكل قدرات بعض الأطراف، وإعادة رسم خرائط النفوذ، لكن بكلفة عالية ومخاطر طويلة الأمد.
يخلص التحليل إلى أن العامل الحاسم في هذه الحرب ليس من ينتصر عسكرياً، بل من يمتلك القدرة على الاستمرار. فالقوة في شكلها الجديد لم تعد تقاس فقط بالقدرات العسكرية، بل بالمرونة المؤسسية، والقدرة على إدارة الأزمات، والحفاظ على التماسك الداخلي.
ويؤكد أن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة تحول تاريخية، حيث لن يكون ممكناً العودة إلى ما قبل هذه الحرب، وأن النظام الإقليمي المقبل سيتشكل وفق معايير جديدة، يكون فيها البقاء والصمود هما العامل الحاسم في تحديد ملامح المستقبل.
>
