رسائل النار المحدودة.. الحوثيون بين دعم إيران وتفادي المواجهة الشاملة
السياسية - منذ ساعة و 52 دقيقة
عدن، نيوزيمن:
تتجه ميليشيا الحوثي الإرهابية إلى إعادة تموضعها عسكرياً وسياسياً ضمن مشهد أوسع يتجاوز الحدود اليمنية، مستفيدة من الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وبينما يزداد انخراط الفاعلين غير الدولتيين في هذا الصراع، تبرز تحركات الحوثيين كجزء من استراتيجية محسوبة تهدف إلى تعظيم النفوذ دون تحمل كلفة المواجهة الشاملة، في لحظة إقليمية بالغة الحساسية.
وكشف تحليل صادر عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، أن الجماعة اختارت الدخول إلى المعترك الإقليمي عبر استهداف إسرائيل بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة، في خطوة تعكس مزيجاً من الحذر والتكتيك السياسي والعسكري.
وأوضح التحليل، الذي أعده توماس جونو ضمن برنامج مدعوم من وزارة الخارجية النرويجية لإعادة تصوّر السلام في اليمن، أن توقيت تدخل الحوثيين بعد نحو شهر من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم يكن عفوياً، بل جاء نتيجة مزيج من الحذر والترقب. لافتًا إلى أن الحوثيين لم يتحركوا بدافع الاندفاع، بل بعد فترة رصد وتقييم دقيقين لتطورات الصراع وتداعياته المحتملة عليهم.
ويرى التحليل أن أحد أبرز أسباب تأخر الحوثيين في الانخراط يعود إلى الأضرار الكبيرة التي لحقت بهم جراء الضربات الأمريكية والإسرائيلية خلال عام 2025، والتي كشفت عن اختراقات استخباراتية عميقة استهدفت قدراتهم العسكرية، بما في ذلك منصات إطلاق الصواريخ ومستودعات الأسلحة، وأدت إلى مقتل قيادات بارزة.
هذه المعطيات، وفق التحليل، دفعت الجماعة إلى إعادة تقييم استراتيجيتها، والانتقال من نمط التصعيد المفتوح إلى نهج أكثر حذراً يوازن بين تحقيق التأثير وتجنب استنزاف قدراتها أو استدعاء ردود عسكرية واسعة.
ويؤكد التحليل أن السلوك الأكثر دلالة لا يكمن في الهجمات التي نفذها الحوثيون، بل في تلك التي امتنعوا عنها، وعلى رأسها استهداف الملاحة البحرية في البحر الأحمر أو إغلاق باب المندب، رغم امتلاكهم القدرة على ذلك.
فهذا الممر البحري يُعد من أهم أوراق الضغط الاستراتيجية للجماعة، إذ سبق أن تسببت هجماتهم خلال عامي 2024 و2025 في اضطراب واسع لحركة التجارة العالمية، وإجبار السفن على اتخاذ مسارات أطول وأكثر كلفة. ومع ذلك، يبدو أن الحوثيين يدركون أن إعادة تفعيل هذه الورقة حالياً قد تستدعي رداً عسكرياً واسع النطاق من الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبحسب التحليل، فإن الهجمات الحوثية على إسرائيل، رغم رمزيتها السياسية والإعلامية، لا يُتوقع أن تُحدث تحولاً حاسماً في موازين القوى، في ظل قدرة أنظمة الدفاع الإسرائيلية على اعتراض معظم الصواريخ والطائرات المسيّرة. إلا أن هذه العمليات تحمل رسائل متعددة، أبرزها التأكيد على قدرة الجماعة على توسيع نطاق الصراع عند الحاجة، وامتلاكها أدوات ضغط يمكن توظيفها في سياق التوازنات الإقليمية.
ويشير التحليل إلى أن هذا الانخراط المحدود قد يخدم، بشكل غير مباشر، الاستراتيجية الإيرانية، عبر زيادة الضغط على خصومها وتعزيز موقفها التفاوضي، دون أن تتحمل طهران وحدها كلفة المواجهة.
كما يُرجّح أن الحوثيين يسعون من خلال هذه الخطوات إلى ضمان موقع لهم في ترتيبات ما بعد الحرب، خاصة في ظل استمرار تماسك النظام الإيراني رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية.
ويبرز التحليل جانباً مهماً في حسابات الحوثيين يتعلق بعلاقتهم مع المملكة العربية السعودية، حيث شهدت السنوات الأخيرة تراجعاً نسبياً في حدة المواجهة، بالتوازي مع مسار تفاوضي متقطع.
وفي هذا الإطار، فإن تجنب التصعيد في البحر الأحمر يساهم في تفادي الإضرار بالمصالح الاقتصادية السعودية، خصوصاً صادرات النفط التي تمر عبر موانئ بديلة، ما يعكس حرص الحوثيين على عدم فتح جبهة جديدة مع الرياض.
وشدد تحليل مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية على أن الحوثيين، رغم الدعم الإيراني، لا يعملون كوكلاء مباشرين لطهران، بل يحتفظون بقدر من الاستقلالية في اتخاذ القرار.
وخلص إلى أن الجماعة توظف هجماتها أيضاً لتحقيق مكاسب دعائية، عبر تقديم نفسها كفاعل إقليمي رئيسي ومدافع عن القضية الفلسطينية، في محاولة لتعزيز شرعيتها داخلياً وخارجياً، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكلّفها كثيراً.
>
