في المحافظات المحررة.. لماذا فشل استقرار سعر الصرف في كبح الأسعار؟
السياسية - منذ ساعتان و 7 دقائق
عدن، نيوز يمن، تقرير خاص:
في الوقت الذي كان فيه المواطن في العاصمة عدن وعدد من المحافظات المحررة، يترقب انعكاس التحسن النسبي في سعر صرف العملة المحلية على أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، جاءت الأسواق لتبدد تلك الآمال، مع استمرار موجة الغلاء وارتفاع أسعار السلع الأساسية بصورة أثقلت كاهل المواطنين وزادت من حدة الأعباء المعيشية.
ورغم حالة الاستقرار التي شهدها سعر صرف العملات الأجنبية خلال الأشهر الأخيرة مقارنة بالفترات السابقة التي سجلت تراجعاً حاداً في قيمة الريال اليمني، إلا أن ذلك لم ينعكس بشكل ملموس على أسعار السلع في الأسواق، حيث لا تزال أسعار المواد الغذائية عند مستويات مرتفعة، فيما سجلت بعض الأصناف زيادات جديدة أثارت استياءً واسعاً بين المواطنين.
فجوة متسعة بين الدخل والأسعار
باتت معاناة المواطنين أكثر وضوحاً مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة مقابل ثبات الدخل أو تآكله بفعل التضخم. ويؤكد مواطنون أن القدرة الشرائية للأسر تشهد تراجعاً متسارعاً، في ظل عجز الرواتب عن تغطية الاحتياجات الأساسية.
ويقول موظفون وعمال وأصحاب مهن بسيطة إن التحسن الذي طرأ على سعر الصرف لم ينعكس على الأسواق كما كان متوقعاً، مشيرين إلى أن أسعار الأرز والسكر والزيوت والدقيق ومختلف المواد الغذائية ما تزال مرتفعة، الأمر الذي دفع العديد من الأسر إلى تقليص نفقاتها اليومية والاستغناء عن بعض الاحتياجات الأساسية.
ومع اتساع الفجوة بين الدخل ومتطلبات الحياة، أصبحت شريحة واسعة من المواطنين تعتمد على شراء كميات محدودة من المواد الغذائية، أو اللجوء إلى الاستدانة لتوفير احتياجاتها الضرورية، في مشهد يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تعيشها الأسر اليمنية.
أسواق لا تستجيب لتحسن العملة
ويرى مراقبون اقتصاديون أن الأسواق المحلية ما تزال تتعامل مع أسعار صرف مرتفعة سابقة، رغم تراجعها نسبياً خلال الفترة الأخيرة، وهو ما أدى إلى بقاء الأسعار عند مستوياتها المرتفعة.
ويشير مختصون إلى أن العديد من الموردين والتجار قاموا خلال فترات انهيار العملة برفع أسعار السلع بصورة متسارعة، إلا أن عملية المراجعة العكسية للأسعار لم تحدث بالوتيرة نفسها عند تحسن سعر الصرف، الأمر الذي خلق حالة من الاختلال في العلاقة بين تكلفة الاستيراد وأسعار البيع للمستهلك.
ويؤكد اقتصاديون أن استقرار العملة يمثل عاملاً مهماً في كبح التضخم، لكنه لا يضمن تلقائياً انخفاض الأسعار ما لم ترافقه سياسات رقابية فعالة وإجراءات حكومية تضمن التزام الأسواق بالتسعير العادل.
غياب الرقابة وتعاظم المضاربة
ويحمل مواطنون وخبراء اقتصاديون ضعف الرقابة على الأسواق جزءاً كبيراً من مسؤولية استمرار الغلاء، مؤكدين أن غياب المتابعة الميدانية الفاعلة سمح بوجود تفاوت كبير في الأسعار بين الأسواق والمحال التجارية، فضلاً عن استمرار بعض الممارسات الاحتكارية والمضاربات التي تؤثر على حركة السلع.
كما يشير مختصون إلى أن أجهزة الرقابة التموينية وحماية المستهلك تحتاج إلى تفعيل أكبر لمراقبة الأسعار وضبط المخالفات، واتخاذ إجراءات رادعة بحق المتلاعبين بقوت المواطنين، بما يضمن تحقيق التوازن بين مصالح التجار وحماية المستهلك.
أوضاع معيشية معقدة
وتعيش آلاف الأسر اليمنية أوضاعاً معيشية معقدة نتيجة تراجع فرص العمل وضعف مصادر الدخل وتأخر صرف المرتبات في بعض القطاعات، الأمر الذي أدى إلى تآكل القدرة الشرائية واتساع دائرة الاحتياج.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في المستوى المعيشي، خصوصاً في ظل اعتماد غالبية السكان على دخول محدودة لا تواكب الارتفاع المستمر في الأسعار.
مطالبات بإجراءات عاجلة
في المقابل، تتصاعد مطالب المواطنين للجهات الحكومية المختصة باتخاذ خطوات عملية للحد من الغلاء وضمان انعكاس استقرار سعر الصرف على أسعار السلع والخدمات، من خلال تشديد الرقابة على الأسواق ومراجعة آليات التسعير ومكافحة الاحتكار والمضاربة.
كما يدعو اقتصاديون إلى تبني حزمة متكاملة من الإجراءات تشمل تعزيز الاستقرار النقدي، وتفعيل أجهزة الرقابة، وتحسين بيئة المنافسة التجارية، وتوفير قاعدة بيانات واضحة للأسعار، بما يسهم في حماية المستهلك وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي.
المواطن يدفع الثمن
وفي ظل استمرار هذه المعادلة الاقتصادية المعقدة، يبقى المواطن اليمني الطرف الأكثر تضرراً، حيث يجد نفسه محاصراً بين ارتفاع الأسعار وثبات الدخل وتراجع القدرة الشرائية، في وقت تتزايد فيه احتياجات الحياة اليومية وتتضاءل فرص التكيف مع الظروف الاقتصادية الصعبة.
وبين آمال المواطنين بانخفاض الأسعار وواقع الأسواق الذي يسير في اتجاه مغاير، تتواصل المعاناة المعيشية في المحافظات المحررة، بانتظار تدخلات جادة تعيد التوازن للأسواق وتخفف من الأعباء المتراكمة على ملايين اليمنيين الذين يواجهون تحديات اقتصادية غير مسبوقة.
>
