المقاومة الوطنية في ذكرى التأسيس.. مشروع يتجاوز الميدان نحو بناء الدولة

السياسية - منذ ساعة و 38 دقيقة
المخا، نيوزيمن، خاص:

لم تكن نشأة المقاومة الوطنية حدثًا عابرًا فرضته ظروف لحظية، بل جاءت كتعبير عن تحول عميق في مسار المواجهة مع الانقلاب الحوثي، إذ انتقلت من رد فعل ميداني في أعقاب أحداث ديسمبر 2017 إلى مشروع وطني متكامل يسعى لاستعادة الدولة وبناء مؤسساتها. 

ففي لحظة انهيار التوازنات التقليدية داخل الدولة اليمنية، برزت الحاجة إلى قوة منظمة قادرة على إعادة تجميع ما تشتت من القدرات العسكرية والسياسية، وهو ما جسدته المقاومة الوطنية عبر مسار تراكمي اعتمد على إعادة البناء من الصفر في بيئة معقدة ومليئة بالتحديات.

وخلال ثمانية أعوام، لم يقتصر دور هذه القوة على خوض المواجهات العسكرية، بل امتد ليشمل بناء نموذج مؤسسي يجمع بين الانضباط العسكري والعمل التنظيمي والرؤية السياسية، ما مكّنها من التحول من تشكيل محدود الإمكانات إلى لاعب رئيسي في معادلة الحرب والسلم في اليمن. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة استراتيجية طويلة الأمد استندت إلى استيعاب دروس المرحلة، وإعادة تعريف مفهوم المقاومة بوصفها مشروعًا للدولة، لا مجرد أداة للمواجهة.

ومع تعقّد المشهد اليمني وتداخل الأبعاد الإقليمية والدولية للصراع، برزت المقاومة الوطنية كأحد الفاعلين القادرين على التكيف مع التحولات، سواء من خلال تعزيز حضورها الميداني في مناطق استراتيجية كالساحل الغربي، أو عبر تطوير خطاب سياسي يركز على استعادة الجمهورية والحفاظ على مؤسسات الدولة. وبهذا المعنى، أصبحت هذه التجربة جزءًا من مسار أوسع لإعادة تشكيل التوازنات داخل اليمن، بما يعكس طموحًا يتجاوز حدود المواجهة الآنية نحو بناء استقرار مستدام.

من الثورة إلى إعادة التشكل العسكري

شكّل استشهاد الزعيم علي عبدالله صالح في ديسمبر 2017 نقطة مفصلية أعادت رسم مسار المواجهة مع الحوثيين، حيث اعتقدت الجماعة أنها أنهت أي مقاومة داخل صنعاء. غير أن التطورات اللاحقة كشفت عكس ذلك، إذ بدأت عملية إعادة التشكل بقيادة طارق صالح، في إطار إعادة إنتاج لفكرة المقاومة الجمهورية ضمن سياق عسكري جديد، أكثر تنظيمًا واستيعابًا لتعقيدات المرحلة.

وحمل الظهور الأول لطارق صالح في محافظة شبوة مطلع عام 2018 دلالات سياسية وعسكرية عميقة، عكست استمرار مشروع المواجهة وعدم انكساره. ومع انطلاق العمليات في أبريل من العام ذاته، بدأت مرحلة تأسيس حقيقية تحولت فيها المقاومة إلى كيان عسكري منظم، مستفيدًا من استدعاء الكوادر العسكرية والخبرات المتراكمة، لوضع أسس متينة لبناء قوة قادرة على الاستمرار والتطور.

ومن أبرز سمات تجربة المقاومة الوطنية توجهها المبكر نحو العمل المؤسسي، إذ لم تقتصر جهودها على الجانب العسكري، بل امتدت إلى إعادة بناء الأجهزة الأمنية وتفعيل خفر السواحل وتعزيز العمل الاستخباري. كما أولت اهتمامًا واضحًا بالجوانب الخدمية والتنموية، إدراكًا منها أن المعركة لا تُحسم بالسلاح فقط، بل ببناء نموذج دولة في المناطق المحررة. وتبرز مدينة المخا كنموذج لهذا التوجه، حيث تلازم الاستقرار الأمني مع تقديم الخدمات وتحسين مستوى المعيشة.

وخلال العمليات العسكرية في الساحل الغربي، والتي شاركت فيها المقاومة ضمن القوات المشتركة، حققت القوات تقدمًا سريعًا ووصلت إلى مشارف مدينة الحديدة، في إنجاز عسكري لافت. غير أن توقيع اتفاق ستوكهولم فرض واقعًا جديدًا أوقف العمليات العسكرية، ما أدى إلى تراجع الزخم الميداني، لكنه لم يُنهِ المشروع، بل دفع إلى إعادة ترتيب الأولويات وتعزيز الجاهزية.

مع مرور الوقت، تطورت المقاومة الوطنية لتتجاوز كونها تشكيلًا عسكريًا، لتصبح مشروعًا سياسيًا وعسكريًا متكاملًا يتمحور حول استعادة الدولة ومواجهة المشروع الحوثي. وأسهم هذا التحول في توحيد الجهود الأمنية والعسكرية في الساحل الغربي تحت مظلة واحدة، ما عزز من تماسكها وقدرتها على التأثير في مجريات الأحداث.


وشدّد الدكتور عادل المسعودي، القائم بأعمال الأمانة العامة للمكتب السياسي للمقاومة الوطنية، على أن تأسيس هذه القوة لم يكن حدثًا عابرًا في مسار الحرب، بل محطة استراتيجية أعادت صياغة معادلة الصراع لصالح مشروع الدولة. وأوضح أن المقاومة أسهمت في توحيد الجهود الوطنية المبعثرة ضمن إطار منظم يقوم على رؤية واضحة لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب. 

وأضاف أن ما يميز هذه التجربة هو قدرتها على الجمع بين الانضباط العسكري والتماسك التنظيمي، الأمر الذي مكّنها من التحول إلى قوة يُعوّل عليها في معركة استعادة الجمهورية، ليس فقط من حيث القدرات القتالية، بل أيضًا من حيث تمثيلها لمشروع وطني جامع يستقطب مختلف المكونات الاجتماعية والسياسية.

دور استراتيجي في حماية الممرات البحرية

من جانبه، أوضح رئيس الدائرة الإعلامية للمقاومة الوطنية، محمد أنعم، أن أهمية هذه القوة تتجاوز الإطار المحلي لتلامس أبعادًا إقليمية ودولية، كونها تتمركز في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم، وهي السواحل المطلة على مضيق باب المندب. 

وأكد أن المقاومة باتت تمثل خط الدفاع الأول عن هذا الممر الحيوي الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية، بما في ذلك إمدادات الطاقة. وأشار إلى أن جاهزية القوات واستمرار انتشارها في الساحل الغربي أسهما في الحد من التهديدات التي تستهدف الملاحة الدولية، وإفشال محاولات تحويل البحر الأحمر إلى ساحة صراع مفتوحة، وهو ما يعزز من دورها كعامل استقرار في منطقة تشهد تصاعدًا في التوترات الإقليمية.

ووصف الكاتب عبدالسلام القيسي تجربة تأسيس المقاومة الوطنية بأنها وُلدت في بيئة شديدة التعقيد، يمكن وصفها بـ"المستحيلة"، نظرًا لتداخل التحديات السياسية والجغرافية والاجتماعية التي واجهتها منذ اللحظة الأولى.

 وأشار إلى أن هذه التجربة لم تنطلق من بيئة حاضنة تقليدية كما هو الحال في تجارب أخرى، بل تشكلت عبر مسار طويل من المواجهة والرفض، بدءًا من صنعاء مرورًا بعدن وصولًا إلى الساحل الغربي. ولفت إلى أن تجاوز هذه العوائق وبناء قوة عسكرية متماسكة في ظل تلك الظروف يعكس قدرة استثنائية على التكيف وإعادة التشكّل، ويجعل من تجربة المقاومة الوطنية نموذجًا فريدًا في سياق الصراع اليمني.

بدوره، اعتبر الكاتب عادل الهرش أن المقاومة الوطنية تمثل تجسيدًا حيًا لإرادة اليمن الجمهوري في مواجهة المشاريع التي تستهدف تفكيك الدولة وتقويض هويتها. وأكد أن هذه القوة لم تكن مجرد رد فعل عسكري على تطورات ميدانية، بل مشروع استراتيجي متكامل أعاد تعريف مفهوم القوة بوصفها أداة لإعادة بناء الدولة واستعادة مؤسساتها. 

وأشار إلى أن التجربة التي قادتها المقاومة في الساحل الغربي، خصوصًا في مدينة المخا، أظهرت إمكانية تحقيق توازن بين الأمن والتنمية، حيث ترافقت الجهود العسكرية مع تحسين الخدمات وتعزيز الاستقرار. ويرى الهرش أن هذا النموذج يعكس قدرة المقاومة على تقديم بديل واقعي في بيئة تعاني من الانقسام، ويؤكد أنها باتت أحد أبرز حوامل مشروع استعادة الدولة في اليمن.

بعد ثمانية أعوام من التأسيس، نجحت المقاومة الوطنية في تثبيت موقعها كأحد أبرز الفاعلين في المشهد اليمني، مستندة إلى قوة عسكرية منظمة ورؤية سياسية واضحة. ومع استمرار التحديات، تبدو هذه القوة أكثر استعدادًا لتحويل تراكم تجربتها إلى دور حاسم في المعركة المقبلة لاستعادة الدولة، التي لا تزال تمثل الهدف المشترك لمعظم اليمنيين.