تحليل: الحرب الإيرانية تهدد الاقتصاد العالمي بصدمات تتجاوز النفط والطاقة

السياسية - منذ 59 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن، ترجمة:

حذّر تحليل نشرته مجلة ناشونال إنترست من أن استمرار الحرب الإيرانية قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ما وصفه بـ"أزمة اقتصادية متعددة الأطراف"، في ظل تداخل صدمات الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد مع أزمات مالية قائمة بالفعل، بما يحدّ من قدرة الحكومات والبنوك المركزية على احتواء التداعيات المتسارعة.

وأوضح التحليل الذي أعدّه الباحث المتخصص في العقوبات والاقتصاد الجيوسياسي علي أحمدي أن العالم يواجه اليوم موجة متراكبة من الضغوط الاقتصادية بعد أكثر من شهرين ونصف على اندلاع الحرب الإيرانية، مشيرًا إلى أن التركيز التقليدي على ارتفاع أسعار النفط والغاز وحده لم يعد كافيًا لفهم حجم الأزمة.

وأشار التحليل إلى أن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز منذ أوائل مارس تسبب في أكبر اضطراب بإمدادات النفط العالمية وفق توصيف وكالة الطاقة الدولية، نظرًا لأن المضيق ينقل قرابة 20 بالمئة من تجارة النفط والغاز في العالم، وهو ما دفع المؤسسات المالية الدولية إلى إعادة تقييم توقعات النمو العالمي وربطها بمستويات أسعار الطاقة ومدى استمرار الأزمة.

لكن الكاتب يرى أن الخطر الحقيقي يتجاوز النفط، لافتًا إلى أن المضيق يمثل أيضًا شريانًا حيويًا لتدفقات اقتصادية وصناعية أخرى شديدة الحساسية، تشمل الأسمدة والهيليوم والبتروكيماويات وسلاسل تصنيع الرقائق الإلكترونية، الأمر الذي يخلق صدمات اقتصادية متزامنة يصعب التعامل معها بالأدوات التقليدية.

ووفق التحليل، يمر عبر مضيق هرمز نحو 30 بالمئة من تجارة اليوريا العالمية، وهي المادة الأساسية في صناعة الأسمدة النيتروجينية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الأسمدة عالميًا وتهديد الإنتاج الزراعي في عدة دول، وسط مخاوف متزايدة داخل منظمة التجارة العالمية من انعكاسات ذلك على الأمن الغذائي العالمي.

كما أشار إلى أن الخليج العربي ينتج نحو ثلث الهيليوم عالي الجودة المستخدم في صناعة أشباه الموصلات، وهو ما أثار قلق مراكز تصنيع الرقائق الإلكترونية في آسيا، مع بدء ظهور اضطرابات في سلاسل الإمداد الخاصة بالمواد الكيميائية والبتروكيماويات والمواد الأولية المستخدمة في العمليات الصناعية والتغليف.

وبيّن التحليل أن هذه الصدمات جاءت في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للاقتصاد العالمي، الذي لا يزال يعاني من آثار جائحة كوفيد-19 والحرب الروسية الأوكرانية، إضافة إلى ارتفاع الديون السيادية العالمية وتكاليف الاقتراض، فضلًا عن الضغوط الناجمة عن الرسوم الجمركية الأمريكية المفروضة منذ منتصف عام 2025.

وأشار الكاتب إلى أن الاقتصادات الكبرى كانت قادرة سابقًا على امتصاص الصدمات بشكل منفصل، إلا أن الأزمة الحالية تختلف بسبب تزامن عدة أزمات في وقت واحد، حيث تتداخل صدمات الطاقة مع التضخم والتوترات التجارية والإنفاق الدفاعي المرتفع، بما يغلق أمام الحكومات كثيرًا من الخيارات التقليدية لمعالجة الأزمات.

وأوضح أن الحكومات الأوروبية على سبيل المثال تجد نفسها مضطرة للاختيار بين دعم أسعار الطاقة وتمويل الإنفاق الدفاعي المتزايد المرتبط بالحرب في أوكرانيا، في وقت أصبحت فيه برامج التحفيز المالي أكثر تكلفة بسبب ارتفاع فوائد الاقتراض وتضخم مستويات الدين العام.

كما تواجه البنوك المركزية معضلة معقدة، إذ إن خفض أسعار الفائدة لتحفيز الاقتصاد قد يؤدي في المقابل إلى تفاقم التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية، ما يحد من فعالية أدوات السياسة النقدية المعتادة.

وعلى مستوى القطاع الخاص، أكد التحليل أن الشركات العالمية تعاني من "إرهاق اقتصادي" متزايد بعد اضطرارها لإعادة هيكلة سلاسل التوريد عدة مرات خلال السنوات الأخيرة، بدءًا من تداعيات الجائحة ثم أزمة الحرب الروسية الأوكرانية وصولًا إلى تداعيات الحرب الإيرانية الحالية، وهو ما يستنزف رؤوس الأموال ويؤخر الاستثمارات والابتكار.

وتطرق التحليل أيضًا إلى مخاطر إضافية تلوح في الأفق، من بينها بوادر تباطؤ قطاع الذكاء الاصطناعي الذي شكّل محركًا رئيسيًا للنمو الأمريكي خلال العام الماضي، فضلًا عن تصدعات في سوق الائتمان الخاص العالمي البالغ حجمه نحو 3 تريليونات دولار، محذرًا من أن تراجع استثمارات صناديق الثروة السيادية الخليجية بسبب أجواء الحرب قد يفاقم هذه الاختلالات.

وأكد التحليل أن التأثيرات الاقتصادية للحرب تختلف من منطقة إلى أخرى، إذ تبدو الولايات المتحدة أقل تأثرًا نسبيًا باعتبارها منتجًا رئيسيًا للطاقة، بينما تواجه آسيا الضغوط الأكبر نتيجة اعتمادها المكثف على الغاز الطبيعي المسال القادم عبر مضيق هرمز، حيث بدأت بعض اقتصادات جنوب شرق آسيا بالفعل باتخاذ إجراءات طارئة لترشيد الطاقة والعمل عن بُعد.

أما أوروبا، فرغم أنها أقل اعتمادًا على تجارة الخليج مقارنة بآسيا، فإنها تعاني من ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز والوقود المكرر، مع تحذيرات من زيادات إضافية في أسعار الديزل ووقود الطائرات والكيروسين، وهي مواد حيوية لقطاعات النقل والإنتاج الصناعي.

ويرى الكاتب أن التفاوت في حجم التأثر بين الدول يعقّد فرص التنسيق الدولي لحل الأزمة، إذ تختلف أولويات واشنطن عن أولويات العواصم الآسيوية مثل طوكيو ونيودلهي، التي تنظر إلى اضطرابات مضيق هرمز باعتبارها تهديدًا اقتصاديًا مباشرًا.

واختتم التحليل بالتأكيد على أن الحرب الإيرانية كشفت هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام "الصدمات المركبة"، موضحًا أن العالم يواجه اليوم نموذجًا جديدًا من الأزمات تتداخل فيه الطاقة والتكنولوجيا والتجارة وسلاسل الإمداد في آن واحد، الأمر الذي يجعل أدوات السياسة التقليدية أقل قدرة على احتواء التداعيات أو منع اتساعها.