جنازة خامنئي تكشف تصدعات النظام الإيراني.. صراع أجنحة يطفو إلى السطح

العالم - منذ ساعة و 34 دقيقة
طهران، نيوزيمن:

كشفت مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي عن حجم التصدعات التي تعصف ببنية النظام الإيراني، بعدما بدت الجنازة أقرب إلى استعراض سياسي هدفه إظهار تماسك السلطة، في وقت تشير فيه تقارير دولية إلى احتدام الصراع بين أجنحة الحكم، وسط غياب لافت للمرشد الجديد مجتبى خامنئي عن المشهد العام.

ورغم ظهور كبار المسؤولين والقادة العسكريين جنباً إلى جنب خلال مراسم التشييع، في محاولة لإبراز صورة موحدة للنظام، فإن الغياب المستمر لمجتبى خامنئي، الذي تولى منصب المرشد الأعلى في مارس الماضي، فتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن طبيعة إدارة السلطة الجديدة، وحجم الخلافات التي تدور خلف الأبواب المغلقة.

وتقدم مراسم التشييع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية، إلى جانب كبار قادة الحرس الثوري، في مشهد اعتبره مراقبون محاولة لطمأنة الداخل والخارج بأن مؤسسات الدولة لا تزال متماسكة، رغم التحديات الأمنية والاقتصادية غير المسبوقة التي تواجهها البلاد.

غير أن تقريراً نشرته صحيفة نيويورك تايمز، استناداً إلى مسؤولين ومصادر إيرانية، رسم صورة مغايرة تماماً، إذ أشار إلى أن وفاة خامنئي، الذي احتكر القرار النهائي لعقود، أطلقت صراعاً حاداً داخل المعسكر المحافظ، وانقسمت مراكز النفوذ إلى جناحين متنافسين يتنازعان رسم ملامح المرحلة المقبلة.

وبحسب التقرير، يقود الجناح الأول تيار براغماتي يضم الرئيس بزشكيان ورئيس البرلمان قاليباف، إلى جانب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر، ويحظى بدعم شخصيات نافذة داخل الحرس الثوري، ويدفع هذا التيار نحو التوصل إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة، باعتبارها المخرج الوحيد من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها إيران.

في المقابل، يتمسك جناح متشدد برفض أي تسوية مع واشنطن، ويطالب بمواصلة سياسة المواجهة والتصعيد، معتبراً أن تقديم أي تنازلات في الملفين النووي أو العسكري يمثل تراجعاً عن مبادئ الثورة، فيما وجه هذا التيار اتهامات علنية للفريق التفاوضي بـ"الخيانة" و"التواطؤ".

وتشير المصادر ذاتها إلى أن موافقة مجتبى خامنئي المبدئية على الانخراط في محادثات مع الولايات المتحدة لم تأت نتيجة قناعة سياسية، وإنما فرضتها ضغوط اقتصادية متفاقمة تهدد استقرار النظام نفسه.

وأفادت أربعة مصادر مسؤولة في طهران بأن الرئيس بزشكيان أبلغ المرشد الجديد، خلال اجتماع مغلق، أن الحصار البحري الأميركي شل الاقتصاد الإيراني، ولوح بالاستقالة في حال رفض المضي نحو اتفاق مع واشنطن.

كما نقل التقرير أن محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي حذر القيادة الإيرانية من أن البلاد تواجه خطر نفاد مخزونات السلع الغذائية والأدوية الأساسية خلال أسابيع، نتيجة تعثر صادرات النفط وإغلاق معظم قنوات التجارة الخارجية.

وتحت وطأة هذه الضغوط، صوّت المجلس الأعلى للأمن القومي، وفق المصادر، بأغلبية 12 صوتاً مقابل صوت واحد لصالح بدء مفاوضات مباشرة مع مسؤولين أميركيين، في تحول يعكس حجم الأزمة التي دفعت النظام إلى مراجعة خياراته التقليدية.

وفي مؤشر آخر على التغيرات التي تشهدها بنية الحكم، تحدث مسؤولون إيرانيون عن انتقال تدريجي من نموذج "الحكم الفردي" الذي طبع عهد علي خامنئي، إلى صيغة أقرب إلى "القيادة الجماعية"، حيث باتت قرارات المرشد الجديد محل نقاش داخل المؤسسات السياسية والأمنية، بدلاً من أن تكون أوامر نهائية غير قابلة للمراجعة.

كما عكست التطورات الأخيرة حجم الانقسام داخل مؤسسات الدولة، بعدما قُطع البث المباشر للتلفزيون الرسمي أثناء حديث رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف عن اتفاق وقف إطلاق النار، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها تعبير عن الصراع بين مراكز النفوذ داخل النظام. وفي الوقت ذاته، تعرض وزير الخارجية عباس عراقجي لهتافات ومضايقات خلال مشاركته في مراسم تأبين بالعراق، في مؤشر على تصاعد حدة الاستقطاب حتى في الأوساط المؤيدة للنظام.

وفي موازاة الصراع السياسي، يلف الغموض مكان وجود المرشد الجديد، إذ أكدت مصادر عسكرية أن الأجهزة الأمنية ترفض ظهوره العلني أو مشاركته في مناسبات جماهيرية، خشية تعرضه لمحاولات اغتيال إسرائيلية أو كشف مكان إقامته، وهو ما دفع إلى إلغاء مشاركته في إمامة صلاة مزمعة بمدينة مشهد.

ويرى مراقبون أن المشهد الذي أعقب جنازة خامنئي كشف أن النظام الإيراني دخل مرحلة انتقالية هي الأكثر حساسية منذ قيام الجمهورية الإسلامية، وأن مظاهر الوحدة التي حاولت السلطة إظهارها خلال مراسم التشييع لم تنجح في إخفاء الانقسامات المتزايدة داخل مراكز القرار، في وقت ستكون فيه التعيينات المرتقبة في المؤسسات السيادية والعسكرية الاختبار الحقيقي لمعرفة أي الأجنحة سيمسك بمقاليد السلطة خلال المرحلة المقبلة.