المنطقة تعيد بناء دولها.. واليمن عالق في دوامة الحرب
السياسية - منذ ساعة و 9 دقائق
عدن، نيوزيمن، خاص:
في الوقت الذي تعيد فيه دول المنطقة رسم أولوياتها السياسية وتفتح أبواب الحوار الوطني، وتستثمر في إعادة بناء مؤسساتها وإطلاق مشاريع التنمية، تبدو اليمن وكأنها تقف خارج هذا المسار الإقليمي المتسارع، أسيرة حرب مستمرة وانقسام سياسي عميق عطّل فرص استعادة الدولة.
وبينما تتحرك عواصم عربية وإقليمية لإغلاق ملفات الصراع والانتقال إلى مرحلة الاستقرار، يزداد التساؤل حول قدرة اليمن على اللحاق بهذه التحولات، وما إذا كانت المتغيرات المحيطة تمثل فرصة حقيقية لإحياء المشروع الوطني وإنهاء حالة الجمود التي فرضتها سنوات الحرب.
ورغم اختلاف الظروف السياسية والأمنية بين دول المنطقة، فإن القاسم المشترك بينها بات يتمثل في البحث عن حلول مؤسسية تعيد الاعتبار للدولة باعتبارها الإطار الجامع لإدارة الخلافات وتحقيق التنمية. وفي المقابل، لا تزال الأزمة اليمنية تدور في حلقة مفرغة، مع استمرار تعثر العملية السياسية وتغليب ميليشيا الحوثي الخيار العسكري، الأمر الذي أبقى البلاد بعيدة عن موجة التحولات التي تشهدها المنطقة.
وشهدت الأسابيع الأخيرة سلسلة من المؤشرات السياسية التي تعكس اتجاهاً إقليمياً نحو إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد سنوات من النزاعات. ففي سوريا، شكل افتتاح برلمان الدولة الجديدة محطة سياسية لافتة تؤشر إلى محاولة الانتقال من مرحلة الصراع إلى إعادة بناء المؤسسات، بينما أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الحاجة إلى إطلاق حوار وطني شامل برعايته، باعتباره المدخل لمعالجة التحديات الداخلية وتعزيز الاستقرار السياسي.
في مصر، تواصل الدولة تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى أعادت تشكيل البنية التحتية والاقتصادية، ضمن رؤية تستهدف تعزيز قدرات الدولة وتحقيق التنمية المستدامة، فيما تسعى ليبيا إلى إعادة تنشيط الحوار بين القوى السياسية المتنافسة بهدف تقليص الانقسام وتهيئة الأرضية لتسوية سياسية أكثر استقراراً.
أما السودان، فرغم استمرار التعقيدات العسكرية والإنسانية، فقد برزت تحركات تستهدف تثبيت هدنة وفتح نقاشات حول إعادة الحكم المدني، في مؤشر يعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرار الحرب لا يمكن أن يكون أساساً لبناء الدولة.
وفي مقابل هذه التحركات، تبدو اليمن بعيدة عن هذا المشهد، حيث لا تزال الحرب المستمرة، والانقسام السياسي، والتدهور الاقتصادي، والأزمة الإنسانية، عوامل تعيق أي انتقال حقيقي نحو استعادة مؤسسات الدولة.
ويرى مراقبون أن استمرار تعثر العملية السياسية، إلى جانب إصرار ميليشيا الحوثي على تغليب الحلول العسكرية، أسهما في إطالة أمد الأزمة وإبقاء البلاد خارج موجة التحولات التي تشهدها المنطقة، في وقت أصبحت فيه غالبية الدول المنخرطة سابقاً في النزاعات تبحث عن مخارج سياسية وتنموية أكثر استدامة.
ويؤكد المراقبون أن استمرار إدارة الأزمة بمنطق الصراع لا يؤدي إلا إلى تعميق الانهيار الاقتصادي والمؤسسي، بينما يتطلب أي تحول حقيقي وجود مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للدولة ويمنح المؤسسات القدرة على استعادة دورها في خدمة المواطنين.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب الصحفي نبيل الصوفي أن المشهد الإقليمي يشهد انتقالاً تدريجياً من مرحلة الصراعات إلى مرحلة إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وهو ما تعكسه التطورات السياسية المتلاحقة في عدد من دول المنطقة.
ويشير الصوفي إلى أن افتتاح البرلمان الجديد في سوريا، والدعوة إلى حوار وطني في إثيوبيا، واستمرار المشاريع الاستراتيجية في مصر، وإحياء الحوار الليبي، والتحركات السودانية نحو تثبيت الهدنة والعودة إلى الحكم المدني، تمثل جميعها مؤشرات على تغير في أولويات الدول نحو تعزيز الاستقرار وبناء المؤسسات.
ويؤكد أن هذه النماذج، رغم اختلاف ظروفها، تشترك في رسالة واحدة، مفادها أن الدول التي تواجه تحدياتها بالحوار والإصلاح المؤسسي تكون أكثر قدرة على استعادة الاستقرار وتحقيق التحول السياسي.
ويطرح الصوفي رؤية مختلفة لطبيعة التغيير، معتبراً أن التحولات الكبرى لا تصنعها الخطابات والشعارات، وإنما تنبع من تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين. ويقول إن "غبار الحياة في قلب أي بلد، هو من ينتج التغيير"، في إشارة إلى أن الاهتمام بقضايا الاقتصاد والخدمات والتعليم والبنية التحتية وبناء المؤسسات هو المحرك الحقيقي لأي تحول سياسي ناجح.
كما يشدد على أن قيمة القيادة لا تُقاس بحجم الشعارات، بل بمدى حضورها في حياة المواطنين، مؤكداً أن "وجود القيادة في قلب يوميات مواطنيها هو المعنى الوحيد للقيادة"، باعتبار أن التنمية والحوار والإصلاح المؤسسي تمثل المؤشرات الفعلية على نجاح أي مشروع وطني.
ويرى مراقبون أن المقارنة بين التحولات الجارية في المنطقة والواقع اليمني تكشف حجم الفجوة التي صنعتها سنوات الحرب، لكنها في الوقت ذاته تبرز الحاجة الملحة لإعادة صياغة مشروع وطني يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها.
ويؤكد هؤلاء أن التجارب الإقليمية تثبت أن الاستقرار يبدأ عندما تصبح مؤسسات الدولة قادرة على إدارة الخلافات، وتوفير الخدمات، وتحقيق التنمية، وإشراك مختلف القوى الوطنية في حوار جامع يضع مصلحة المواطنين فوق الحسابات الضيقة.
كما أن استمرار الجمود السياسي، وفقاً لهذه الرؤية، لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات الاقتصادية والإنسانية، بينما تمثل المتغيرات الإقليمية الحالية فرصة لإعادة التفكير في مسار الأزمة اليمنية، والانتقال من إدارة تداعيات الحرب إلى إطلاق مشروع يعيد بناء الدولة ويستثمر في السلام والتنمية.
ومع تسارع التحولات السياسية في المنطقة، يزداد الحديث عن أهمية استفادة اليمن من التجارب المحيطة بها، خصوصاً في ظل إدراك متزايد بأن بناء الدولة والحوار الوطني أصبحا الخيار الأكثر واقعية لتحقيق الاستقرار.
ويخلص مراقبون إلى أن المشهد الإقليمي يبعث برسالة واضحة مفادها أن مستقبل الدول لا يُبنى باستمرار الصراعات، وإنما عبر مؤسسات قوية، وقيادات تضع المواطن في صدارة أولوياتها، ومشاريع تنموية تعيد الثقة بالدولة. وبينما تتحرك دول المنطقة لطي صفحات الأزمات.
>
