الحوثيون ورواية الحصار.. الأرقام الدولية تكشف ما وراء خطاب الأزمة في اليمن

السياسية - منذ ساعتان و 47 دقيقة
عدن، نيوزيمن، تقرير استقصائي:

منذ بداية الحرب اليمنية، لم تكن معركة السيطرة على الأرض هي الجبهة الوحيدة للصراع، بل امتدت المواجهة إلى ميدان آخر لا يقل أهمية: معركة الرواية. وفي قلب هذه المعركة برز ملف "الحصار" باعتباره أحد أكثر العناوين حضوراً في خطاب جماعة الحوثي، التي قدمته طوال السنوات الماضية باعتباره المفتاح الرئيسي لفهم الانهيار الاقتصادي والإنساني في اليمن.

تقول الرواية الحوثية إن القيود المفروضة على حركة الملاحة والواردات تسببت في نقص الغذاء والوقود، وأدت إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، محملة التحالف والحكومة اليمنية مسؤولية ما يعيشه اليمنيون من معاناة.

لكن عند وضع هذه الرواية أمام الأرقام والبيانات الدولية المتعلقة بحركة الموانئ، تظهر صورة أكثر تعقيداً، صورة لا تنفي تأثير الحرب والقيود الأمنية والعمليات العسكرية على الاقتصاد اليمني، لكنها تطرح تساؤلات حول مدى دقة وصف الواقع بأنه "حصار شامل" أدى إلى توقف حركة التجارة.

فماذا تقول سجلات الملاحة؟ وكيف تحركت السفن خلال سنوات الحرب؟ وهل كان ميناء الحديدة مغلقاً فعلاً أمام الواردات أم أنه ظل يعمل ضمن آليات رقابية دولية؟

ميناء الحديدة.. من عنوان "الحصار" إلى بوابة مفتوحة تحت الرقابة

لطالما كان ميناء الحديدة محوراً أساسياً في الخطاب الحوثي، باعتباره المنفذ البحري الأهم للمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، حيث ربطت الجماعة بين أي قيود على نشاطه وبين تدهور الوضع الإنساني.

غير أن واقع الميناء خلال سنوات الحرب يكشف عن استمرار حركة الملاحة التجارية، وإن كانت في ظروف استثنائية فرضتها الحرب والمخاطر الأمنية.

فمنذ عام 2016، بدأت آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش في اليمن (UNVIM) العمل على تنظيم دخول السفن المتجهة إلى موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، عبر إجراءات للتحقق من الشحنات ومنح التصاريح اللازمة، بهدف ضمان انسياب الواردات ومنع استخدام الموانئ لأغراض عسكرية.

وبحسب البيانات التي أعلنتها الحكومة اليمنية، نقلاً عن سجلات الآلية الأممية، فإن النشاط الملاحي عبر موانئ الحديدة لم يتوقف خلال السنوات الماضية، بل شهد استمراراً في استقبال السفن المحملة بالمواد الغذائية والوقود والبضائع التجارية.

72 مليون طن تكسر رواية الإغلاق الكامل

في مواجهة الاتهامات الحوثية المستمرة بوجود حصار على ميناء الحديدة، قدم نائب وزير النقل اليمني ناصر أحمد شريف أرقاماً تفصيلية لحجم الحركة التجارية التي مرت عبر آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش خلال الفترة من مايو 2016 وحتى مايو 2026.

وتظهر البيانات أن الآلية تعاملت مع:

3,560 طلب تصريح للسفن.

2,634 عملية تفتيش.

3,238 سفينة دخلت الموانئ واستكملت إجراءاتها وغادرت بعد تفريغ حمولاتها.

كما بلغت كميات الواردات التي دخلت عبر الآلية أكثر من 72 مليون طن، منها:

41.5 مليون طن من المواد الغذائية.

20.1 مليون طن من الوقود.

10.4 مليون طن من مختلف السلع والبضائع.

هذه الأرقام، وفق الحكومة اليمنية، تقدم دليلاً على أن الموانئ لم تكن مغلقة أمام التجارة، وأن حركة الإمدادات استمرت رغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.

بين حقيقة المعاناة وتوظيفها سياسياً

لكن قراءة ملف الحصار لا يمكن أن تكون بمعزل عن حقيقة أخرى: اليمن شهد بالفعل أزمة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة خلال سنوات الحرب. فالعمليات العسكرية، والمخاطر التي واجهت السفن، وارتفاع أسعار التأمين، وتأخر بعض الشحنات، وتراجع الإنتاج المحلي، كلها عوامل أثرت على حياة اليمنيين، ورفعت كلفة وصول السلع إلى الأسواق.

غير أن الخلاف يتمحور حول تفسير حجم المسؤولية، فبينما تختصر جماعة الحوثي الأزمة في عامل "الحصار الخارجي"، يرى خصومها أن الانهيار الاقتصادي نتج عن مجموعة متشابكة من العوامل، أبرزها:

- الانقسام المؤسسي والمالي بين مناطق السيطرة.

- توقف صادرات النفط التي شكلت مورداً رئيسياً لخزينة الدولة.

- تراجع الإيرادات العامة.

- تعدد مراكز القرار الاقتصادي.

- السياسات المالية والنقدية المتباينة.

- إدارة الموارد الاقتصادية خارج إطار مؤسسات الدولة.

وبذلك تصبح الأزمة اليمنية أكبر من مجرد مشكلة وصول السلع. إنها أزمة دولة واقتصاد ومؤسسات تفككت بفعل سنوات الحرب.

الاقتصاد.. جبهة خفية للصراع اليمني

خلال العقد الماضي، تحول الاقتصاد اليمني إلى ساحة مواجهة لا تقل أهمية عن الجبهات العسكرية. فالموانئ، والعملة، والموارد، والإيرادات، والتجارة، كلها أصبحت أدوات ضمن صراع النفوذ بين الأطراف المتحاربة.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن ملف "الحصار" لم يعد مجرد قضية اقتصادية، بل أصبح جزءاً من الحرب الإعلامية والسياسية، تستخدمه الأطراف لتثبيت رواياتها وتحميل الطرف الآخر مسؤولية الانهيار.

فالحوثيون يستخدمونه لتفسير تدهور الأوضاع في مناطق سيطرتهم، بينما تشير الحكومة اليمنية إلى أن استمرار حركة الواردات عبر الموانئ يثبت أن الأزمة مرتبطة بعوامل أوسع من مجرد القيود على الملاحة.

الأرقام لا تلغي الحرب.. لكنها تكشف تعقيداتها

لا يمكن للأرقام وحدها أن تختصر مأساة اليمن، لكنها تساعد في فهم طبيعة الأزمة بعيداً عن الشعارات. فاليمن لم يكن أمام توقف كامل للتجارة، كما لم يكن بعيداً عن آثار الحرب التي ألحقت أضراراً كبيرة باقتصاده ومؤسساته.

الحقيقة تقع في منطقة أكثر تعقيداً: قيود حقيقية فرضتها الحرب، لكنها ترافقت مع عوامل داخلية عميقة ساهمت في إطالة الأزمة وتوسيع آثارها.

وبينما تتواصل معركة الروايات حول "الحصار"، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً أن المواطن اليمني ظل الطرف الأكثر تضرراً، يدفع ثمن صراع سياسي وعسكري واقتصادي امتد لسنوات طويلة.

ختاماً.. 

تكشف بيانات حركة الموانئ أن رواية الإغلاق الكامل لا تنسجم مع واقع استمرار دخول السفن والواردات عبر ميناء الحديدة، تحت إشراف آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش.

وفي المقابل، فإن استمرار تدفق السلع لا يعني غياب تأثيرات الحرب أو إنكار حجم المعاناة الإنسانية التي يعيشها اليمنيون. فالأزمة اليمنية ليست قصة حصار فقط، ولا قصة حرب فقط، بل نتيجة تراكمات معقدة من الصراع والانقسام وسوء إدارة الموارد وتعطل مؤسسات الدولة.

وبينما تتصارع الأطراف على تفسير الأزمة، يبقى السؤال الأهم: كم سيدفع اليمنيون من كلفة استمرار تحويل الاقتصاد إلى ساحة جديدة للحرب؟