خطايا الشرعية وحروب الإخوان.. ما بعد خروج الجيش الإماراتي

@ المخا، نيوزيمن، نبيل الصوفي: تقارير

2020-02-16 23:24:07

أقامت الإمارات العربية المتحدة حفلاً رسمياً مهيباً، أعلنت عبره عودة كل وحدات جيشها التي شاركت اليمنيين في حروب تحرير أرضهم من قوى الجبر والإرهاب، أكانت الحوثي أم القاعدة أم الإخوان.

في خطاب الدولة وجيشها بدت الرسالة واضحة: لم ندفع بأبنائنا للتدخل في شئون دولة، بل لمساعدة شعب، فإذا كان لليمن دولة وشرعية وسيادة فإنَّ الإمارات، إذاً، لن ترسل جيشها.. لن يحتاج اليمن جيشَ دولة شقيقة أو صديقة طالما لديه جيشٌ وشرعية.

الإمارات التزمت للرؤية الطبيعية: لن ندعم الحوثي بتمويل دولة يمنية في المهجر، كنا ونحن في صنعاء ننتقد رفض الإمارات السَّماح لأي سياسي يمني الإقامة في فنادقها، من مصلحة دولة صنعاء توزع الشرعية الوهمية على دول الخارج والبقاء في فنادق لقطع الطريق بين الشعب وأي إنقاذ شقيق أو صديق.. يجب أن تترك اليمن للحوثي وللشرعية الخارج بتمويلاته، وهكذا ينتهي الحال بيمن “افتراضي” في الفيس بوك وتويتر، فيما يمن الواقع يرزح تحت حكم الحوثي.

بدأت المعركة من عدن، ودعمت السعودية والإمارات ما بقي من أدوات للشرعية، وكان وزير الداخلية أحمد الميسري كما كانت قيادات من حزب الإصلاح أو غيره مثلها مثل السلفيين والحراكيين متواجدين في الساحة التي يكاد الحوثي يسيطر عليها، وتواصلت الأداءات كما هي، قيادات الشرعية، أكانت إخواناً أم مؤتمراً كالوزير الميسري، دخلت في حسابات خاصة قبل أن تبدأ المعركة.. لذا انتهت معاركهم سريعاً، وقد صرَّح بعد ذلك الميسري أنَّ “الدعم لم يكن كافياً”.. والإخوان معاركهم خاصة وخاصة جداً، هم يقاتلون الحوثي لأنه سَطَا على حصتهم هُم، يرون أنهم أحقُ من الحوثي بالسّيطرة.. ولا يأبهون للتعقيدات التي أنتجها أداؤهم أصلاً.. فيما تحرَّك السّلفيون والحراكيون كمواطنين يرون الدعم، مهما كان قليلاً، فرصة كبيرة، لأن هذا هو ما كانوا يحتاجونه، وإلا فالمعركة معركتهم والبلاد بلادهم..

وفي مأرب، تحلَّقت القبائل، أيضاً، مع أولاد زائد، وفيما كان الشيخ الماربي والجندي الإماراتي يتقدمان الصفوف في الحرب، كان الإخواني والمؤتمري الذي انتقل لساحة الإخوان حينها يرتّب مصالحه الخاصة ويخترق الصفوف ليرتّب معاركه الممتدّة.

معارك القادمين من النظام السّابق والثورة عليه، كانت معارك مجهدة، يرون الحرب فرصة لم يحصلوا على مثلها من قبل لمواصلة دورهم السيئ في عهد النظام والثورة، بحيث يحققون الثراء ويتاجرون بكل شيء باليمن وبالإمارات وبالسعودية.. وبالحياة وبالموت.. لا يهمهم إلا السّيطرة المالية، كشوفاً وهمية أو اختراقات، وترك للناس بشكل نهائي، لا يمكنهم أن يقدموا شيئاً للناس.. وكل حالة وطنية تتحوَّل إلى جلسة نقاش حول الدعم وليس حول الحرب..
وعند نهاية الحرب في عدن أو في مأرب، بدأت مرحلة الإقصاء، عاد خطاب دولة 94 ضد الجنوب، ما كأنه حدث أي شيء، الجنوبي الذي قاتل مع التحالف مؤجّلاً موقفه ضد تحالف 94 رافضاً القبول بأي خدع حوثية وقدَّم روحه ودمه وقاتل وانتصر، وجد نفسه كأنه في 1995، مُدَاناً مقصياً مبعَداً.. حتى شعارات مؤتمر الحوار عن الأقاليم وحل القضية الجنوبية وكل تلك المقولات اختفت وفجأة عاد كل شيء إلى لحظة لم يعد لها وجود..

وفي مأرب تكرّر الأمر نفسه، تم إقصاء المجتمع المحلي غير الحزبي، ونقل الهاربون كل فسادهم الذي كان أيام الثورة وأيام النظام إلى مأرب.. وأصبحنا مع ذات البيئة التي خلقت القضية الجنوبية وهذه المرة “الماربية”..

بدأت معارك الساحل الغربي، وتحرّك الجيش الإماراتي مع المقاومة الجنوبية ثم المقاومة التهامية تالياً للحرب ضد الحوثي، وبدأت التعقيدات تزداد على المقاتل، وكانت تلك فرصة جوهرية للشرعية لتظهر أهميتها وإدراكها للتحديات وتعود إلى أرض الواقع وتدرك المخاطر وتقود حوارات محلية تتبادل عبرها القوى الاعتراف ببعضها وبتحالفاتها الجديدة وتستغل الوجود العربي الضامن لبناء حالة صحية جديدة سقفها تحرير صنعاء. ولكن شيئاً من هذا لم يحدث.
وعلى العكس كانت أدوات الشرعية تزيد الحال إرباكاً، وتشعل فتيل الصِّراعات الإعلامية بين التحالف بينه البين، وبين القوى المحلية المقاتلة.. وضد الجنوب.. وضد السلفيين.. ثم تالياً ضد العفاشيين الذين غادروا صنعاء ليجدوا الشرعية تقف لهم بالمرصاد وكأنها تتمنَّى أنهم استمروا مع الحوثي إلى الأبد.

وكما وقف الجيش الإماراتي مع الحراك الجنوبي وقف مع ما صارت تُسمى تالياً المقاومة الوطنية، فهذا الجيش لا يعيش معارك السياسة، ولم يأتِ ليفرض أي أجندات في الصراع المحلي.. هو جاء ليدعم اليمنيين لاستعادة عاصمة دولتهم “صنعاء” مع كل من يقبل هذا السقف وبعدها يتحاور الجميع عن المشهد الذي يرون بلادهم تستحقه ويرضي الجميع.

وللأمانة، يمكن تفهُّم المرارة التي قد يشعر بها أي إماراتي كان يتمنّى أن يرى صنعاء وقد عادت عاصمة للبلاد التي قاتل لأجلها وفيها، فبالله عليكم تتحرّر عدن وترفض الشرعية القيام بأى دور فيها.. ترفض رؤية مسؤوليتها.. تريد العودة بالحال إلى ما قبل دخول الحوثي.. وليس إلى ما بعد إخراجه.. وكأنها تريد إبقاء الظروف مهيأة لإشغال الجبهات بمعارك تحرير المحرَّر.

اتخذ الجيش الإماراتي ذات الرؤية في المكلا وفي شبوة، فهو تعامل بواقعية من يريد الانتصار، أتحدث عن الانتصار الحربي وليس في الفيس بوك وفي قنوات التلفزيون.. هناك قوى مسلحة تسيطر على الأرض، وهناك نخب يمنية فارة في الخارج هُزمت أكثر من مرَّة على يد الحوثي والقاعدة، وفقدت كل وجودها على الأرض، وهي غير مستعدة حتى للعودة إلى الداخل اليمني، هي ترى الدعم الدولي كله يصلها إلى الفنادق ويتحوَّل النضال إلى ارتزاق لا يجرؤ على حمل البندقية والمواجهة المسلحة..

فتم إنشاء قوة مسلحة من أبناء هذه المناطق مهمتها تحريرها من القاعدة والتحوُّل إلى قوة أمنية ضامنة للاستقرار وتترك الخيارات السياسية إلى أن تعود صنعاء ويجلس الجميع على طاولات الحوار.. وهذا ما تحقق في المكلا وفي شبوة، حتى إنَّ هذه القوى لم تتدخل في أداء الشرعية التي كلما نجح منها مسؤول مختلط بالناس إلا وأبعدته وأحلت بدلاً عنه آخر فاشلاً لا يغادر الفنادق، ومع ذلك لم تتدخل هذه القوى لا في عدن ولا في المكلا ولا في غيرها.. فهي احتفظت بوجودها فقط في مواجهة التهديدات المسلحة..

ومع ذلك لم تقبل الشرعية ذلك، وليت أن هذه الشرعية قررت بناء قوة تحل محل هذه القوى التي ثبت نجاحها ضد الحوثي والقاعدة وكل المخاطر الأخرى، في أسوأ الأحوال كان الجيش الإماراتي سيكون أمام خيارين: إما يدعم القوى الشرعية باعتبارها مسيطرة، أو يغادر مطمئناً أن اليمن لم تعد بحاجة إلى مساندة عسكرية على الأرض..

لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، فالشرعية تواصل العبث كما فعلت تماماً في الفترة من 2012 إلى 2015 حيث عبثت بكل شيء، وكانت تؤصل دناءتها بالمعارك الإعلامية ضد أطراف تُحمِّلهم المسؤولية، كان يومها الزعيم علي عبدالله صالح، وأمس الإمارات العربية المتحدة، واليوم كل طرف لا يتفق مع فسادها وإفسادها..

تريد دعماً لبناء جيش، ثم تنهب الأموال وتبني جيشاً وهمياً، فيأتي الحوثي ويهزمها، فتصيح شاكية أنَّ التحالف لم يدعمها، وعليه أن يأتي ليقاتل بدلاً عنها، ولكن بشرط أن يقول هذا التحالف إنها هي من انتصرت ويضاعف لها العطايا المالية ويعتبر فسادها شرفاً قومياً..
يا إلهي والصفاقة..!

لذا، اجتهد الجيش الإماراتي في دعم بناء قوى مسلحة تحقق التوازن إن لم يكن الانتصار لإعادة الدولة اليمنية، بحيث يتم منع الحوثي من الاستمرار في عبثه المسلح بانتظار إما انهياره أو قبوله بالتعايش داخل جمهورية يمنية تخضع دولتها لشعبها وحوارات قواها.. ثم غادر سريعاً، وغادر محتفلاً بالنجاة، فهو جاء لإنقاذ اليمن من السقوط في مهب الحروب المفتوحة العابثة، وإذا بالشرعية تسعى لإدخاله هو كجيش دولة شقيقة في صراعات السياسة المحلية لها ولفسادها..

وقبل الاحتفال بيوم واحد، قال الشيخ محمد بن زايد للإماراتيين ولليمنيين، ما زلنا معاً كشعب عربي. من الواضح أنّ خطابه قال إنّ جيش الدولة في الإمارات ليس جيشاً للدولة اليمنية، لكنه سند للشعب اليمني حين يفتقد دولته، والحال اليوم في اليمن أقل سوءاً بكثير مما كان عليه في 2015، لذا لا يحتاج اليمنيون إلى جيش دولة شقيقة بل يحتاجون إلى دعم من نوع آخر.. واعداً بالاستمرار. وقال الجيش الإماراتي إن لديه حلفاء كدول مثل السعودية وفي اليمن التي تعيش حالة من الشتات إلى أن تأتي له دولة هو يفتخر بالمقاومة الجنوبية والمقاومة الوطنية.. وبالتأكيد على هذه المقاومات عبء كبير لكي لا تكون أيٌ منها نسخةً مماثلةً للشرعية.

تتطلب تجربة الجيش الإماراتي في تدخُّله في اليمن، دراسة موضوعية لتظهر تجربة عربية مثلها، في مواجهة تحديات تبدأ ضد دولة واحدة لكنها لا تلبث أن تتحوَّل تهديداً للجميع، لأنَّ الحوثي بالأصل هو نبتة ضد المنطقة كلها وليس فقط اليمن.