عودة الرسم العثماني من بوابة قطر.. استعمار مدفوع الأجر واستدعاء له دلالاته (3)

@ القاهرة، نيوزيمن، محمد عبده الشجاع: تقارير

2020-06-24 23:44:35

لماذا قطر لماذا تركيا؟

الوطن البديل؛ هي مهمة سياسية بامتياز تُتقن ترتيبها الدول الكبرى، والمسألة هنا ليست مؤامرة بالمعنى التقليدي، بل حاجة ملحة لتمرير مشاريع مستقبلية، وهذا لا يعني أن الإخوان كجماعة فقدت موطنها الأصلي، أو تلاشت وذهبت أدراج الريح، فهي ليست فصيلاً من النوارس أو الطيور المهاجرة، وإنما أرض وعقيدة؛ تغذيها أفكار يمكن أن نطلق عليها "مجنونة".

فهي ستظل موجودة وستبقى أداة طيعة في سبيل تحقيق مسارها التي تعتقد أنه لا بد عليها أن تخوضه حتى آخر نفس، وإن كانت أوصالها قد تقطعت نتيجة لعلامات الاستفهام والدوائر التي وضعت حولها خلال مشوارها التنظيمي، بالإضافة إلى ظهورها كسلطة باهتة لا تجيد الإدارة مطلقا، بدليل فشلها الذريع بعد انحسار الربيع العربي.

>> عودة الرسم العثماني من بوابة قطر.. استعمار مدفوع الأجر(1)

>> عودة الرسم العثماني من بوابة قطر.. استدعاء له دلالاته (2)

وتعتبر السودان أسوأ تجربة وأطولها، فخلال ثلاثة عقود لم تغير من واقع البلد شيئاً، ولم تظهر حتى كقوة فاعلة، ظلت تدور في فلك الفساد والقمع المقنن، وإعطاء رؤية بأن هناك نهضة وتنمية وتصنيعاً، والحقيقة لم يكن هناك سوى مشاريع "تمزيق" البلد غربًا وجنوبًا، حتى الربيع أتاها متأخرًا.

امتيازات ضاعت وخشية مشروعة

كل هذا الذي دار خلال السنوات الأخيرة، أفقد تركيا كثيراً من الامتيازات كدولة تحن إلى مجدها المندثر من ناحية، ومن ناحية أخرى دفعها إلى تصدر المشهد على أنها الوصي الذي بإمكانه "ترميم" بقع الخراب في جدران الجماعة.

ومع ذلك لم تستسلم، ها هي تحاول التسلل من جهة القارة السمراء، بدءاً بالصومال والسودان وانتهاءً بليبيا، فيما عينها على بقعة أو موطئ قدم في اليمن، أما ما يخص القوات التي هبطت في مطار الدوحة فقد فعلتها وبكامل إرادتها الأسرة الحاكمة.

وبقدر خشية أردوغان، حينها، من صعود محمد مرسي العياط إلى حكم مصر، الذي جاء عقب الربيع العربي؛ لأن قوة الإخوان في مصر لا تكمن في جوهر الجماعة وحسب، وإنما في ثقل دولة عمرها آلاف السنين، والخشية هنا تكمن في سحب البساط.

لكن الجماعة أثبتت عشوائيتها من خلال تصعيد رئيس ضعيف، ولم تكتف بضعفه، بل ظلت تديره وتتحكم به كخاتم ليصبح ضحية بدلاً من رئيس دولة محورية، دفعته إلى اتخاذ قرارات مرتجلة وعاطفية، والخروج بتصريحات مهزوزة.

إضافة إلى ذلك أدارت ظهرها لكل شيء، للدولة العميقة، وأجهزة المخابرات، والسجل المدني، والقضاء، والجيش، وذهبت بعيدًا؛ تؤسس لديمقراطية تقول إن مصر لم تشهدها منذ 7 آلاف سنة.

كانت تلك الخلاصة نكتة ساذجة وسخيفة، ليس لأن مصر دولة بلا أخطاء، وإنما لأن القادم إلى المشهد؛ سيمارس كل أنواع القمع والاستبداد بحق الخصوم والمعتقدات الأخرى، وسيعيد السلفية والرجعية والشواهد واضحة ولا تحتاج لاكتشاف.

إذاً، خشية أوردغان أقرب إلى التوجس لا أكثر، فالإخوان يسهل تطويعهم في إطار الإخوان أنفسهم، أو المشاريع التي تتجاذبهم، لذا أبسط مشكلة تقع فيها الجماعة ستذهب تلقائياً إلى التحالف مع الأنسب لها دون الأهم إجماع القيادات.

لذا نجد كيف صرح أحد الشخصيات الإخوانية أيام مرسي بعد أن بدأت الانتكاسة بأن "أمريكا" لن تسمح بسقوط منظومة محمد مرسي، وهذا اتكاء سياسي خاطئ وقاتل بالمعنى الواضح.

الإخوان يمرضون..

جماعة الإخوان تمرض لكنها لا تموت، وهذا ليس لحنكتها في تدبير الأمور السياسية؛ لأنها فجة في تعاملها واجنداتها رغم أنها بذلت وتبذل جهودًا غير عادية منذ التأسيس، واستطاعت بلوغ ذروة النصر من خلال الأعداد الهائلة للقواعد التي تتبعها.

لكنها تظل مشروعاً يدور في حلقة مزيفة متصادمة مع الواقع، فبعد 80 عامًا وظهورها على أنها حاملة راية التغيير الحديث، إلا أنها انكسرت في أول الطريق بسبب الاتكالية "الزمنية" وإيمانها بنظرية أو فكرة "التمكين" ونسيانها نظرية السببية.

ولعلها أكثر الجماعات في العقود الأخيرة استطاعت أكثر من غيرها أن تملك كل مقومات النهوض والقوة، المال والمشاريع الحيوية، الشعبية الجارفة، الندية للعديد من الحكومات أهمها مصر اليمن السودان وبعض الدول التي كانت أقرب إلى الظل.

لكن في كل مرة كانت هناك أمور لم تستطع إدراكها هذه الجماعة ولن تستطيع، والخلل في هيكلها التنظيمي الذي يبدو منفتحاً وهو في الحقيقة مغلق بأحكام مسبقة، بالإضافة إلى اعتقادها أن التحالفات سوف تقفز بها إلى النجومية، غير مدركة أن التحالفات ليست بالأمر البسيط، فهو بحاجة إلى رجاحة وتوازن لا يتقنها إلا ثعالب السياسة ودهاة اتخاذ القرار.

الإخوان لا يموتون..

استدعاء قطر لقوات تركيا بدل البحث عن حل جذري، يحفظ البيت الخليجي ليس صدفة، أو أن سببه الجيران وحسب، فالكويت كانت قادرة على التوفيق بين الأطراف من جديد لكن المسألة مرتبة بعناية فائقة؛ لأن قطر دولة وجدت لتكون وطنًا بديلا لشتات الجماعة، أو على الأقل نظاما متلازما بقوة مع نهج ومشروع معين.

وهنا يمكن الجزم أن من المستحيل أن تُترك جماعة الإخوان المسلمين تواجه التلاشي، فقط لأنها واجهت رفضا شعبيا واسعا، ودخلت ضمن صراع إقليمي. أولاً، لأن عوامل الفناء التام غير موجودة وهذا أمر طبيعي. ثانياً، الجماعة موجودة ومتجذرة في تفاصيل كثيرة من حياة الناس وحتى الدول عاجزة عن رميها في البحر.

نظام أوباما فاتح شهية الجماعة

مع انطلاق الربيع العربي في العام 2011 بالتزامن مع صعود شخص ذي أصول إفريقية إلى سدة الحكم في أمريكا، كُشفت أوراق الإخوان.

جاء الكشف بعد عقود طويلة من التعبئة والتبعية، ومعاداة الأنظمة المتعاقبة والتربص خلف التقية السياسية واللعب تحت الطاولة.

على سبيل المثال، ظلت الجماعة شرًا لا بد منه، وتحت غطاء الدين والخلافة، وتحرير فلسطين وإحياء السنة وأثر السلف الصالح، حشدت الخطاب والدعم، بعد انطلاقها سنة 1928م اتخذت من الدعوة مضماراً لها، سواءً السرية أو الجهرية، ففي مصر تصادمت مع جمال عبد الناصر، وقتلت محمد أنور السادات رغم ما قدمه لها من تعاون، وخرجت على حسني مبارك بعد صراع مرير مع فصائلها المسلحة، وقتلها للسياح، وتنفيذ العديد من عمليات الاغتيالات، واليوم تحاول فرض نفس الواقع مع نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي.

إضافة إلى ذلك محاولة إعمال الأحلام الوردية القائمة على توظيف الدين كمدخل للسيطرة على السلطة، ونشر أفكار رجعية تتسم بالتطرف ومصادمة الواقع من خلال مصادرة حقوق بديهية وفطرية.

بريطانيا عرابة الفوضى

تعد المملكة المتحدة (بريطانيا) من أخطر الدول الاستعمارية التي عملت على ترتيب العديد من الأوراق، وتسوية بعض قضايا الحدود والجماعات والأقليات، وهو الفخ الذي نتج عنه قضايا طارئة، وصراعات خاصة في الشرق الأوسط.

أما الدعم الأمريكي لهذه الجماعة وبقية الجماعات التي لعبت دورًا أشد ضراوة في مواجهة المجتمع، فهو امتداد في سياقه الطبيعي؛ من أجل أن تتبلور المشاريع الاستعمارية بصورتها الحديثة.

إذ لا يمكن لأي قطب استعماري لديه طموح ومطامع أن يقفز دون أن تكون هذه الجماعات جسرًا يعبر من خلاله؛ تحت دعاوى وشعارات بعضها مات وشبع موتاً، فأحيتها الصراعات السياسية والاقتصادية.

...يتبع