الموجز

صنع انتصار مصر في 73: "باب المندب" ممر ملاحي وقت السلام وسلاح العرب عند الحروب

@ عدن، نيوزيمن، تقرير خاص: تقارير

2020-08-05 22:45:50

عاد الحديث عن الأهمية الإستراتيجية لمضيق "باب المندب" إلى الواجهة بعد أن كشف قياديان في تحالف ذراع ايران الحوثية ومليشيات إخوان تركيا في اليمن، عن خطة عسكرية مشتركة لهما تسعى للسيطرة على هذا الممر الملاحي الهام. 

و يكتسب مضيق باب المندب أهمية إستراتيجية كونه الشريان الرئوي لحركة التجارة العالمية وهمزة الوصل بين عدة قارات ويربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي.

وظلت أهمية باب المندب محدودة حتى افتتاح قناة السويس 1869 وربط البحر الأحمر ومايليه بالبحر المتوسط وعالمه، فتحول إلى واحد من أهم ممرات النقل والمعابر على الطريق البحرية بين بلدان أوربية والبحر المتوسط، وعالم المحيط الهندي واسيا ودول الخليج وشرقي أفريقيا. 

وزاد في أهمية الممر أن عرض قناة عبور السفن، الوقعة بين جزيرة بريم والبر الإفريقي 16كم وعمقها 100 - 200م، مما يسمح للسفن وناقلات النفط العملاقة بعبور الممر بسهولة على محورين متعاكسين متباعدين.

ولليمن أفضلية إستراتيجية في السيطرة على هذا الممر الحيوي الهام لامتلاكه جزيرة بريم، إلا أن قوى الهيمنة الإقليمية والدولية تسعى للسيطرة عليه وبعضها لجأ الى إقامة قواعد عسكرية في دول إفريقية مطلة عليه، سعيا نحو التحكم بالتجارة والنقل في المضيق بوصفه واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم، خصوصا مع ازدياد أهمية نفط الخليج العربي. 

ويقدر عدد السفن وناقلات النفط العملاقة التي تمر فيه في الإتجاهين، بأكثر من 21000 قطعة بحرية سنوياً (57 قطعة يومياً).

وتمر عبر المضيق سفن محملة ب3.3 مليون برميل من النفط ، تمثل حوالي 7.5% من كل حمالات النفط (بالسفن) في العالم بحسب احصاييات 2006.

أهمية عسكرية 

واكتسب هذا المضيق أهميته العسكرية من دور الهام في صنع انتصار الجيش المصري في حرب 6 اكتوبر 1973 ضد إسرائيل.

فاعتبارا من يوم 27 سبتمبر 1973 بدأت خمسون قطعة بحرية مصرية انتشارها فوق مياه البحرين المتوسط والأحمر.

 كما وصلت مجموعة بحرية مكونة من المدمرات والفرقاطات والغواصات إلى مضيق باب المندب، ومع بدء العمليات في السادس من أكتوبر تم إعلان البحر الأحمر عند خط 21 شمالًا، منطقة عمليات عسكرية.

مصر وإغلاق باب المندب

وتمكنت البحرية المصرية خلال الفترة من 6 أكتوبر حتى 21 أكتوبر 1973 من اعتراض 200 سفينة محايدة ومعادية، إلا أن ناقلة بترول إسرائيلية لم تمتثل لتعليمات البحرية المصرية بالابتعاد عن الخط الشمالي المار بين مدينة جدة السعودية وبور سودان السودانية لأنها منطقة عمليات، فقامت الغواصات المصرية باعتراضها وإغراقها بالطوربيدات، فتوقفت الملاحة نهائيًا منذ يوم 7 أكتوبر في البحر الأحمر.

خطة خداع استراتيجي

وبحسب وثائق للمخابرات المصرية فقد تبنت القوات المسلحة المصرية خطة خداع استراتيجي يسمح لمصر بالتفوق على التقدم التكنولوجي والتسليحي الإسرائيلي عن طريق إخفاء أي علامات للاستعداد للحرب وحتى لا تقوم إسرائيل بضربة إجهاضية للقوات المصرية في مرحلة الإعداد على الجبهة، واشتملت الخطة على ستة محاور من بينها محور خاص بباب المندب. 

ولإخفاء نية القوات البحرية في إغلاق مضيق باب المندب، نشر خبر صغير في شهر سبتمبر عام 1973، عن توجه ثلاث قطع بحرية مصرية إلي أحد الموانئ الباكستانية لإجراء العمرات وأعمال الصيانة الدورية لها، وبالفعل تحركت القطع الثلاث إلى ميناء عدن وهناك أمضت أسبوعاً ثم صدر لهم الأمر بالتوجه إلى أحد الموانئ الصومالية في زيارة رسمية استغرقت أسبوعاً آخر لزيارة بعض الموانئ الصومالية.

 ثم عادت القطع الثلاث من جديد إلي عدن وهناك جاءتهم الإشارة الكودية في مساء الخامس من أكتوبر 1973 بالتوجه إلى مواقع محددة لها عند مضيق باب المندب في سرية تامة عند نقط تسمح لها بمتابعة حركة جميع السفن العابرة في البحر الأحمر رادارياً وتفتيشها، ومنع السفن الإسرائيلية من عبور مضيق باب المندب طوال الحصار.

و يعد الحصار البحري عن بعد الذي نجح المصريون فيه بعد أن أغلقوا مضيق باب المندب ضد الملاحة الإسرائيلية.. أكبر مفاجأة من مفاجآت حرب أكتوبر.. حيث استخدم المصريون قواتهم البحرية في باب المندب بعيدا عن اليد الطولي لجيش الدفاع الإسرائيلي وهو القوات الجوية..

 بينما كانت كل تقديرات جيش الدفاع الإسرائيلي.. تعتمد على أن أي تفكير مصري لإغلاق الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر سيتم من خلال مضايق ثيران وصنافير.. وأنها ستكون في مدى القوات الجوية الإسرائيلية.

 وكان إغلاق باب المندب أهم نقاط القوة بيد المفاوض المصري عند توقف القتال وتصدر مطلب فتح الممر مطالب الإسرائيليين في مفاوضات فك الاشتباك.

وفي روايته لكيف جاءت فكرة اغلاق هذا الممر الملاحي، يقول صاحب فكرة غلق باب المندب - رئيس شعبة عمليات القوات البحرية المصرية خلال حرب حرب أكتوبر 1973 اللواء أشرف رفعت :" كنت في القاهرة مع الفريق فؤاد أبو ذكري رحمه الله قائد القوات البحرية وقتها نحضر اجتماعا مع قادة الأفرع و فجأة و نحن عند الباب ناداه المشير أحمد إسماعيل وقال له: " يا ذكري اعمل حسابك هنحارب بدون غطاء جوي " ووقتها واتتني الفكرة على ابعاد القطع البحرية عن مدى مرمى الطيران الاسرائيلي الذراع الطولى لإسرائيل وفي نفس الوقت تحقيق هدف القوات البحرية في الحرب وهو فرض السيطرة البحرية ومنع العدو من استغلال البحر طوال فترة العمليات".. 

ويضيف "كل ذلك كان نتيجة الدراسة المتميزة التي حصلت عليها في إنجلترا والإتحاد السوفيتي و الخاصة بالتخطيط الاستراتيجي و نجحنا بالفعل في احداث شلل للبحرية الاسرائيلية و التي سمعنا عبر أجهزة اللاسلكي بصدور الأوامر أن تدخل جميع القطع البحرية إلى الموانيء الاسرائيلية".

وعن مدى النجاح في تنفيذ العملية.. يقول اللواء رفعت:" استطاعت القوات البحرية في حرب الاستنزاف و في حرب أكتوبر تحقيق كل المهام التي كلفت بها سواء الاستراتيجية أو التعبوية و كانت أهم هذه المهام أننا سيطرنا على المسرح البحري في البحرين الأبيض و الأحمر و القوات البحرية كان لها مهمة رئيسية هي منع العدو من استخدام البحار و من هنا ظهرت في حرب أكتوبر ظروف خدمت القوات البحرية المصرية في البحر و تحقيق المهمة و هي عرقلة والتعرض لخطوط مواصلات العدو البحرية و المهمة الثانية مارستها القوات البحرية على المستوى الاستراتيجي حيث ساهمت فيها جميع تشكيلات القوات البحرية و امتدت لآلاف الكيلومترات في اتجاهين في البحر المتوسط و في البحر الأحمر ومن هنا ركزت على مهمتين: أولاً في البحر الأحمر منع وصول البترول لإسرائيل حيث كانت تستورد بترول من إيران عن طريق باب المندب من موانئ إيران و كذلك كان يأتيها بترول من خليج السويس من آبار استولت عليها بعد العدوان و كان عادة للاستهلاك المحلي ".. مببنا ان خطة القوات البحرية كانت تستهدف قطع وصول البترول لإسرائيل وبالفعل بدأت في وضع الألغام في مدخل خليج السويس لتعطيله ونشر مجموعة من الغواصات المنتشرة في البحر الأحمر والمدمرات في منطقة باب المندب للسيطرة على الملاحة.

وحول مشكلات واجهت القوات البحرية المصرية أثناء أو قبل تنفيذ المهمة.. قال القائد العسكري المصري: بالطبع و من أهم المشاكل التي واجهتنا أن تكون أعمالنا القتالية متماشية مع القانون البحري الدولي و إلا سيحدث تكتل من البحريات الأخرى الكبيرة ضد البحرية المصرية و بالفعل نجحنا في تحقيق هذه المهمة في 1973 و كانت مهمتي الرئيسية كرئيس شعبة عمليات القوات البحرية كيف أنفذ هذه المهمة ووجدت أن الظروف جيدة و طبيعة المسرح مناسبة و قواتنا تتدرب و تعمل بكفاءة و لكن كيف نتعامل مع هذا الموقف دون خرق للقانون الدولي و من دون جلب مشاكل لأنفسنا خاصة مع أمريكا و انجلترا و فرنسا و هي من أكبر بحريات في العالم ".

واستطرد قائلا" توصلنا لأسلوب لم يستخدم في أي حرب من قبل حيث وضعنا المدمرات في مدخل مضيق باب المندب دون أن نعلن غلق باب المندب و أعلنا أن المضيق مفتوح أمام الملاحة الدولية ومن يريد أن يمر فليمر.. فماذا كان يحدث؟، هو أنه كلما جاءت سفينة للمرور أوقفتها المدمرات و سألتها عن وجهتها فيقول القائد أنه متجه شمالا داخل البحر الأحمر فنخبره أنها منطقة حرب وعمليات بيننا و بين إسرائيل ومن المحتمل أن تكون مرور السفينة غير آمنة من ناحية الملاحة وبالطبع القبطان التجاري مهمته الحفاظ على السفينة فيستدير و يعود إلى الجنوب ".

وكشف انه في إطار هذه المهمة تم توقيف ما يقرب من 200 سفينة.

ويستدرك قائلا" و لحسن الحظ أن إسرائيل نفسها شعرت بما يحدث فمنعت المراكب الإسرائيلية من المرور و من هنا نتج عن ذلك قطع إمددات البترول عن إسرائيل بنسبة 100% طوال فترة الحرب وكذلك منعنا إمدادات البترول من خليج السويس وهذه هي المرة الأولى في التاريخ التي تتمكن فيها دولة من قطع الملاحة بالكامل عن دولة أخرى ".

ولفت الى انه في نطاق نفس المهمة كان لدى القوات المصرية في البحر المتوسط مجموعة مدمرات تعمل جنوب جزيرة مالطة و تستند إلى موانيء في ليبيا وكان عملها فقط أن توضح أنها موجودة في المنطقة وتهدد القطع التجارية المتجهة إلى إسرائيل دون التعرض لها و إغراقها الى جانب مجموعة غواصات كانت منتشرة جنوب قبرص فضلا عن مجموعة غواصات منتشرة في منتصف البحر الأحمر و كانت مهمتها تهديد السفن التجارية المتجهة لإسرائيل.

وعن موعد بدء تطبيق مهمة إغلاق باب المندب وكم استمرت يقول اللواء رفعت:" توجهنا لخطوط المرور التي تحقق إغلاق مضيق باب المندب و وصلنا إليها الساعة 12 ظهرا يوم 6 أكتوبر و لكن لم نحقق المنع إلا في تمام الساعة 2 بعد الظهر و هو موعد بدء العمليات و كانت الأوامر لدينا هي تدمير أي سفينة إسرائيلية تحاول المرور من مضيق باب المندب و كذلك أي سفينة من أي جنسية أخرى متجهة إلى ميناء إيلات في إسرائيل نقوم أولا بمنعها من المرور فإذا لم تستجب يمكن تدميرها و بذلك نحقق قطع خطوط المواصلات الإسرائيلية تماما و أعلنت شركة اللويد البريطانية و هي من كبرى شركات الشحن في العالم أن المصريين قاموا بإغلاق مضيق باب المندب بتحذير السفن المارة في هذا المكان ".

وتابع قائلا " بعض السفن لم تتخذ موقفنا على محمل الجد عندما نأمرها بالوقوف والتفتيش ولا تستجيب فكانت طلقة واحدة من المدفعية كفيلة بإيقاف السفينة فورا و كنا نطلقها أمام مقدمة السفينة حتى لا نصيبها و بالفعل بعدها نرسل جماعة التفتيش لمعرفة الميناء التالي للوصول و التأكد من أنها غير متوجهة لإسرائيل واستمرت هذه العملية مدة 8 شهور بعد ذلك".

وعن الأهمية الاستراتيجية لإغلاق باب المندب ودوره في صنع انتصار 6 اكتوبر يقول القائد العسكري المصري" استخدمت هذه العملية كورقة في يد المفاوض المصري وكانت ورقة رابحة وقوية للضغط على الجانب الإسرائيلي أثناء اتفاقيتي فض الاشتباك الأولى و فض الاشتباك الثانية باعتراف هنري كيسنجر نفسه عندما ذهب للقاء الرئيس السادات في أسوان ".

وأردف "و النتيجة كانت أننا منعنا 197 سفينة من التوجه لميناء إيلات و التزمنا بالقانون الدولي دون الإضرار بمصالح مصر حيث أن حق التفتيش للسفن وقت الحرب يكفله القانون الدولي حيث لنا الحق في تدمير السفن الاسرائيلية ولنا الحق في اعتراض أي سفينة و إنزال جماعات التفتيش للتحقق و معرفة هوية هذه السفن و بالفعل قمنا بإطلاق النيران أمام ثلاث سفن عملاقة رفضت التوقف وامتنعت إحدى السفن عن التوقف وكادت أن تشتعل و التزم القبطان على الفور بإيقاف الماكينات فورا ".

ومضى قائلا"و هناك ناقلة نفط كانت متجهة لإسرائيل وأطلقنا عليها مجموعة من الطوربيدات بهدف الإخافة و على الفور درست (جولدا مائير) الموقف و قررت منع دخول أي سفينة إسرائيلية إلى البحر الأحمر و لم نر سفينة بعدها تتجه لإسرائيل طوال فترة العمليات".

لهذا فان ما حققته القوات المسلحة المصرية في حرب 6 أكتوبر اصبح مادة تدرس في الفكر العسكري العالمي و فرض ان يتواجد "الحصار البحري عن بعد "في قوانين القتال البحري في العقيدة الغربية.