نبيل الصوفي يكتب: تذكيراً وليس احتفالاً.. ديسمبر المقاومة الوطنية فرصة وواجبات

@ نيوزيمن، كتب/ نبيل الصوفي: تقارير

2020-12-04 22:15:46

ما حدث في صنعاء بين الـ2 والـ4، من ديسمبر 2017، مفتاح لا يزال معلقاً حتى اليوم، وليس هناك من هو مؤهل لاستلام رايته سوى “المقاومة الوطنية”.

أتحدث عن القوة التي شكَّلها العميد طارق محمد عبدالله صالح، بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، وبالتفاهم مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وبالشراكة مع المجلس الانتقالي الجنوبي، ومجتمع تهامة وأطراف تعز.

ليس للأمر علاقة بـ”العائلية” ولا بـ”الثأر” ولا شيء من هذه الأمور أيضاً ما يدين ولا يستوجب الفزع، فكل المشاعر الوطنية والشخصية هي نوازع أساسية في حياة الناس.

كما أن هذه المقاومة ليست “المؤتمر الشعبي العام”، ولا هي “الكتلة الزيدية”، ولا هي “الجمهورية اليمنية”.. هي قوة يمكنها أن تأخذ من كل ذلك عوامل قوة، وتعيد توظيف الإيجابيات، وهي مبرأة من الأخطاء الماضية أشخاصاً وأحداثاً وأفكاراً، لأنها قوة جديدة لم تكن موجودة قبل الثاني من ديسمبر أصلاً.

وهي قوة جزء من كل، ولا يمكن للجزء أن ينجح إن تصرف وكأنه هو الكل، هو البلاد وهو الجمهورية وهو المستقبل، اليوم عليها فقط أن تكون طرفاً برؤية تستند للثاني من ديسمبر، الثاني من ديسمبر باعتباره حركة وطنية جديدة، لا ماضي لها مع كل الأحداث والأطراف، يستدعي التقييم السلبي المسبق لا منها ولا عليها، وتبدأ من جديد لترسم وجودها ممثلة لهذا اليوم الذي يعنيها وحدها، ولا يحق لها أن تغضب من أي موقف سلبي من أي طرف، ولا تحتفي بأي إيجابي من آخر.

اليوم ونحن نبدأ عاماً رابعاُ بعد ديسمبر 2017، على المقاومة الوطنية الوقوف أمام “ديسمبر” الذي يخصها، فتعيد تعريف نفسها بناءً على رؤيته له ولما سبب مقدمات أحداثه وأهدافه ونتائجه أيضاً.

اليوم، ليس يوماً للاحتفال بعد، ولا هو لسلق الخطابات المستعجلة، وبذات القدر هو يوم للتمسك بالإرث اللحظي المباشر المرتبط بديسمبر، لا بما قبله.. ما قبله هو حق للجميع، أما ديسمبر كمنطلق ونتائج وواجب فهو شيء يخصنا كمقاومة وطنية.

غير أن هذا لا يعني إغفاله، لا بد من التذكير به كل عام، وهو تذكير يتجه للناس ويتجه لنا أيضاً، تذكيرنا به وإعادة رسمه في الأذهان، مع تقدير كبير لذلك اليوم الذي لا يزال قادراً على الحضور في قلب كل ذلك الصلف والعنت الحوثي، الذي احتفل بدم الزعيم كثأر من الدولة والجمهورية.

قال لنا الزعيم -رحمه الله- قبل استشهاده بأيام، وبالتحديد يوم السبت 2 ديسمبر، يوم بدأت فيه المواجهات، “سيختنق الحوثي بدمنا”. قال أيضاً بكل هدوء ورباطة جأش: “سأقاتل أنا وعيالي والموجودين هؤلاء، أما الناس كل واحد منهم بيقفل بيته”، لم يغامر الرجل بل دخل مواجهة محسوبة كخاتمة للعمر، وحين خرج بكلمته الثانية بعد أن تساقطت أوراق الإرهاب الحوثي الأحد والاثنين، قال للناس وبوضوح لا يزال حتى الموالين له يشوشون على فهم الناس له، فكلمته تلك كانت محاولة لتجنب مأزق القول إن علي عبدالله صالح انتصر على الحوثي، قال للناس هذه بلادكم وثورتكم، إن تريدوا الحياة بكرامة جمهورية فيها فقاتلوا لأجلها.. ليعد كل مسؤول إلى منصبه، كان مدركاً أنه لن يسمح له بالانتصار، ستستغل الشرعية والإخوان وشركاؤهم الإقليميون انتصار الزعيم وسيدفعونه الثمن، وتعرفون خطاباتهم الممتدة إلى اليوم كيف أن الحوثي مجرد لعبة، وأن العدو الذي خطّط ورتّب كل شيء من 2011 هو “علي عبدالله صالح”.

قالها بوضوح إنه قد كبر في السّن، وقد ترك السُّلطة.. وكنت أنا من الذين انتقدوا ذلك المنحى في الخطاب، كنت بقصور نظر وبحلم الخلاص أتمنى لو أنه ارتدى بدلته العسكرية وظهر للناس يقول: انتصرنا، لكنه لم يفعل، فهو أكثر خبرة وعلماً بمسار الأمور، وبالقدرات، والأهم بما تحتاجه اليمن.

لقد تماسك الرجل تحت الحرب، وهو محاصر من الحوثي ورعونته، كان يبذل جهداً كبيراً ليحسن الحوثي التصرف، وليحكم الجمهورية اليمنية بقواعد الزمان والمكان الجمهورية، لم يكن يرى الحوثي خطراً على الماضي الذي كانه، فهذا الماضي صامد كماضٍ، وتمنى لو ينجح عبدالملك بدر الدين في “الحكم” كوطني لا كذراع أيديولوجية بليدة. لو حدث ذلك كانت الجمهورية اليمنية ستبقى في “صنعاء” وسيصبح المستقبل والحاضر تحت إطارها، وكان الحوثي يرى ذلك خطراً ماحقاً، لم يقتل الحوثي الزعيم لماضيه حتى وإن قدم دمه ثأراً شخصياً، لكنه كان يقاتل فيه جمهوريته وشعبيته، كان يقاتل السياسة لصالح الحرب، ويحارب الوطنية لصالح الطائفية، والشعبية لصالح الولاية، والاستقلال الوطني لصالح التبعية لـ”طهران”، وكان انفتاح علي عبدالله صالح على الحوثي، واحدة من أسباب قتل الحوثي لعلي عبدالله صالح، الحركات المنغلقة تخاف جرأة الانفتاح وعلو كعبه على انغلاقها.

وعلى المقاومة الوطنية استحضار كل ذلك اليوم، لتعيد تأسيس نفسها، وعليها التفاخر بـ”علي عبدالله صالح”، الباقي الوحيد في وجدان الشمال اليمني رغم كل قبضة الحوثي “الموجعة” لكل بيت وكل اسم وكل رمز وكل فكرة في الجمهورية اليمنية.

وتستثمر ذلك كله، لتؤكد لهذا الوجدان أنها جديرة بإبقائها قيد الأمل، فلا يهزم الناس أكثر من أن لا يكون هناك قيادة في مكان ما يعلق عليها الأمل.

إنه من المدهش أن دم علي عبدالله صالح، لا يزال عصياً على غسيل الكهنوت، لا يزال “قوياً” في وجدان الناس تحت حكم الحوثي، ولا يزال الحوثي حتى اليوم يبذل جهداً معنوياً ومادياً، بالترهيب والترغيب لتغيير قناعات الناس التي عززتها أحداث سبتمبر ضدهم، وهذا أمر مهم ويجب أن لا يضيع، ولن نخاطب الشرعية حول ذلك، فلا أحد معني بذلك سوانا كمقاومة وطنية ما زلنا قيد التأسيس فكراً ورؤية ووجوداً، فالحركة الوطنية فكرة يناضل الناس عبرها ومعها لأهدافهم التي يرونها فيها.

في ديسمبر، أصر الحوثي على تهشيم "صنعاء" وطنياً وإقليمياً، هذه المدينة التي منحتها الجمهورية معناها وقيمتها الوطنية والقومية، أسقطها الحوثي في الرابع من ديسمبر، تتويجاً لتحالف عاطفة دينية زيدية مشوهة، مع نفوس منحرفة باسم الهاشمية، مع بعض فساد في دولة الجمهورية وصراعات مصالح في المجتمع القبلي، وكل ذلك وظفته رؤية إيرانية عدوة للمنطقة العربية رأت أن هذه العوامل يمكنها أن تسقط اليمن ذراعاً بيدها ولأجل مصالحها.


وكل ذلك بحاجة لرؤية مواجهة، من أبناء ديسمبر، لا يدعون بها أنهم يمثلون كل اليمن، هم فقط يمثلون أنفسهم ومن يقتنع معهم، ويتشرفون بأن يناضلوا كما يناضل كل أطراف العداء للحوثي، ويتركون للأيام الاختبار والتمحيص والتقريب والفرز.. هو واجب سيبقى معلقاً حتى ينجز، وما لم نستطع نحن إنجازه، سينسى الناس ديسمبر، حتى لو بقينا نحتفل بها.. وسيأتي الله بقوم غيرنا ثم لا يكونوا مثلنا.. فلا بد لليمني أن يستعيد معناه الذي ينتفي تحت حكم الذراع الإيرانية حليفة كل عوامل التخلف والإرهاب والعنصرية..