عن مخلاف أسفل وشهيد المحراب سعيد بن سعيد حارس البن وعن جسار حمود

تقارير - منذ 44 يوم و 14 ساعة و 17 دقيقة
نيوزيمن، /كتب عبدالسلام القيسي:

تمهيد: 

مخلاف أسفل في مديرية التعزية والواقعة غرب مخلاف أعلى الذي يتبع السلام وشرق الدعيسة التي تتبع التعزية وجنوب الرعينة التي تتبع الرونة وشمال الأغوال وحذران والهشمة اللواتي يتبعن التعزية، فهي من ضمن التعزية وتتوسط، بفساحة كبيرة، شرعب السلام والرونة والتعزية، وهي الأقرب إلى مدينة تعز وترى منها قلعة القاهرة بالعين المجردة، وتتكون مخلاف أسفل من خمس عزل كبيرة وهن عزلة العزلة وعزلة الأهروم وعزلة الحصين وعزلة برطاس وعزلة الأخدور، وأشهر هذه العزل هي الحصين، فهي السوق الدائم لثلاث مديريات ومدينة صغيرة تتوفر فيها كل الخدمات وأكبر العائلات التجارية العتيقة في شمال تعز وكونت ثروتها من المكان المهم الذي يفصل بين السلام والرونة وبقية مخلاف. 

تختلف مخلاف أسفل اختلافا كاملاً عن مخلاف أعلى الشهيرة من خلال الأحداث رغم جغرافية البلاد الواحدة والنسيج الاجتماعي الواحد، ولكن وطنت مخلاف أسفل نفسها منذ القدم على مسلك زاه وهو المسلك الذي يميزها إلى اللحظة كبلاد متعلمة ولا تنزع أبدا إلى السلاح.

تشكل هوية مخلاف أسفل

كانت في القرن التاسع عشر طريقا للقوافل التجارية، وكانت تخلو من قوى صلبة تزم البلاد وتمنحها الأمن والحماية، وبقيت مرتعا لمشيخات العزل المجاورة وعرضة للسلب والنهب طالما لا توجد عائلة ذات مشيخ مكتمل لها من القوة والسطوة اللتين يكفلان لمخلاف أسفل العز والتواجد ككيان وهوية إلى أن هبط اليها أحد كبار الأقيوس في مخلاف أعلى لخلاف حدث بينه وأبناء عمومته وأسس فيها وأنجب العائلة الأكبر التي تحتكم إليها كل البلاد إلى الآن.. وهو نجل صالح الشهير والذي تفرعت من أولاد صالح غالب مشيخات مخلاف أعلى ومن علي اسماعيل وحده العائلة الكاملة والمشيخ لمخلاف أسفل وإلى بني صالح تنتمي قيادات تعز المدينة كبني سرحان وحمود سعيد المخلافي وكذلك عبدالسلام خالد كرمان، أيضا الشيخ علي بن اسماعيل القيسي، الرجل الذي كان نقطة الفصل بين مخلاف أسفل وكان الكيان الحقيقي لتصبح البلدة أشهر بلاد في شمال تعز، ومنها كبار مشايخ المحافظة وأوجد علي اسماعيل بعائلته الكثيرة والتي تناسلت من بعده نسيجا اجتماعيا سلسا يمتزج بمخلاف المسالمة، فأخذ منهم السلم كما احتفظ لنفسه بعصبيته، فوحده الذي هبط من مخلاف أعلى وبحنكته استطاع القضاء على مجمل الطامعين بها وذهب الشيخ علي اسماعيل ضحية هذا الكفاح ليموت مقتولا غيلة بعد منتصف الثمانمئة وألف أمام داره الذي شيده أعلى جبل قرية الكدرة.

كافح بنوه رغم طفولتهم في بلاد غريبة، ولكن البلاد التي لم تعرف الأمن والمنعة إلا بعلي اسماعيل ردوا الجميل لأولاده الصغار وتعهدوهم بالمنعة في طفولتهم وشبوا وهم يحملون طموح أبيهم المغدور ويحبون البلاد التي ولدوا فيها وشيد الأبناء الخمسة من بعد منتصف القرن التاسع عشر مشيخا بقي إلى اللحظة، وكان الأشهر في فتراته المتعاقبة من المشيخ السابق والأخلق إلى الآن من المشيخ اللاحق؛ كخلق اجتماعي.

تعرقت العائلة القيسية بحفيدي علي اسماعيل وهما سعيد محمد علي اسماعيل وابن عمه أمين مدهش علي اسماعيل وشكلت ذروتهما الصيت والمنعة وبداية القوة المحكمة على المنبع في كل البلاد ليتسنى للشيخ سعيد محمد الذي واجه الترك ببقاع شمال تعز وقاتلهم أن يكون ممن لهم الفضل في طرد العصملي من بلاد اليمن، وقد قامت الحكمدارية التركية في تعز بارسال عدة حملات للقضاء عليه وهدم داره دون فائدة من ذلك وخسرت كل مرة بتحقيق طموحها بالخلاص من الشيخ الثائر والمقاتل المخلافي العسر.

مات سعيد محمد، ذو الشهرة الواسعة في بلاد اليمن الوسطى ولم يتجاوز عمره ثلاثة عقود وخلف أولادا صغارا كما خلف جده الأول وتكررت الحكايات، ولكن تكررت العظمة كل مرة وكبرا الشيخان أحمد سعيد محمد وسعيد بن سعيد محمد وكانا الاسمان اللذان طغا على أقرانهما في البلاد الأخرى ثم ليكون سعيد بن سعيد المخلافي هو المثال الأعلى لكل مشايخ تعز في الشمال والجنوب والاسم الذي يتهادى بصفته الجميع، وكمنارة السواحل أصبح سعيد بن سعيد مقصدا للانصاف وللفتوى ولسد رمق الجائعين بحكمته وفضله اللتين فاقتا قوته ومنحتاه المهابة والوقار اللا معهود في تشكيلة المشيخ اليمني الذي يتصف بالقوة والتجبر والأبهة الكبيرة.

سعيد بن سعيد: شهيد المحراب

كان سعيد بن سعيد ملاذ المستضعفين وإلى اللحظة ما زال اسمه منية الطامحين وذكره بأفواه القريب والبعيد وما زال دمه يعبق بجدران جامع المظفر الرسولي الذي استشهد فيه عام 72 من القرن العشرين في رمضان وبعدما أكمل صلاة الضحى وشرع في قراءة الآيات الأولى من سورة الفتح اسكتت طلقات الغدر قلبه ومات وهو مستند على القرآن وأصابعه المحمرة مرسومة في تفاصيل الآيات ولفظ أنفاسه من شهود وشهادة المصلين صارخاً: اللهم فاشهد اللهم فاشهد،اللهم فاشهد.

مات سعيد بن سعيد ودخلت البلاد بحرب قبائلية في البلاد العليا وشرعب والعدين انتقاماً لدمه وشغل ابنه الأكبر الشيخ عبدالجليل سعيد بحرب الثأر عشر سنوات وبحروب الدفاع عن مخلاف من هجمات الجبهة الوطنية التي طغت بمخلاف أعلى وكامل شرعب وعجزت عن الوصول إلى مخلاف أسفل الذي يحميه ويقوده ويقاتل في عقر دار الجبهة الشيخ عبدالجليل سعيد بن سعيد وقد ضحى وأوفى وتعهد وقام بدور الدولة وكان إلى جانب جيش الجمهورية جمهوريته القبائلية في سبيل الخلاص والتخلص من جبهة أدمت كل شمال تعز بأوحش عمليات القتل والتصفية.. وفي عام 80 قبل أربعين سنة مات عبدالجليل سعيد بن سعيد خلف والده بثماني سنوات.

ما زالت حكاية الشيخ سعيد المخلافي تحكى من سهول وادي السحول في إب إلى المسنة في الحجرية وإلى رأس عمران في اليمن الأعلى وقصة شهادته كشهيد للمحراب لفظ روحه بأروع لحظات التجلي والاتحاد بالله سيرة ومسيرة للحاملين من بعده راية البلاد وللبلاد التي أهداها كل حياته وساهم في نشر التعليم وقام بحمايتها، اذ كان أول شيخ قبائلي في المنطقة يقوم بارسال ولديه إلى الخارج للتعلم وكانت آنذاك معيرة، فالأول محمد بن سعيد لدراسة طب الزراعة في يوغسلافيا والذي مات ليلة تخرجه بظروف مشبوهة بدولة أوروبية وكان الأول على دفعته والثاني هو الشيخ عبدالواحد سعيد بن سعيد المخلافي إلى مصر والذي كان من نواة الطلاب اليمنيين ومن الصف الأول للناصرية وهو عضو البرلمان الحالي عن الدائرة 55 للمؤتمر الشعبي العام وفاز لفترتين. 

حارس وشيخ البن

كان الشيخ سعيد بن سعيد المخلافي يكره القات ولم يحدث أن مضغه على عكس كل مشايخ الماضي، وكان كأكبر مالك للأراضي يقوم بزرع شجرة البن من مزارعه الممتدة من مخلاف أسفل إلى عزلة القفاعة في مخلاف أعلى وإلى عزلة الرعينة في شرعب الرونة.

حظيت مزارع البن الخاصة بالشيخ سعيد بشهرة كبيرة في كل تعز ويمنع منعا باتا زراعة القات ولم يحدث أن سمح لأي مزارع من مزارعيه بزرع الشجرة في كامل مخلاف أسفل والرعية دوما على دين كبارها، وهذا هو السبب الرئيس لجعل مخلاف أسفل صورة مختلفة عن أعلى وتمثل أعلى هرم المدنية في شمال تعز والتعليم وشهادات الدكتوراة في كل الجامعات وبكل الأسر الثرية والفقيرة ولم يستثن هذا العهد التعليمي الباذخ حتى أولاد المشايخ لكونهم الأسبق بذلك واليه عاد فضل الطفرة العلمية الهائلة فيما رزحت مخلاف أعلى التي أخضوضرت بشجرة القات عاليها وسافلها منشغلة بالمضغ وبما يدر عليها القات من رزق إلا قلة قليلة وقرى نادرة شذت عن الطوق. 

يدٌ تقاتل الترك وأخرى تقاوم البريطان: المقاتل الثائر جسار حمود محمد واستشهاده

كان لمخلاف أسفل دور كبير، في حرب الاستقلال وفي الذود عن الوطن ضد المستعمر البريطاني وقد قاد الشيخ جسار حمود محمد في فترة من الفترات حملة من رجال البلاد إلى الحد الجنوبي وأثخن في البريطانيين بلحج وعاد منتصراً، ولكنه كر للمرة الثانية بعشرات الرجال من مخلاف أسفل واستشهد هناك وقد عادت بغلته من الجنوب إلى مخلاف أسفل في شمال تعز وحيدة تنعي الشهيد الأغر جسار حمود، فالشيخ جسار حمود محمد علي من نسل الشيخ الأول علي اسماعيل ونجل أخ الشيخ سعيد محمد وهو من أشجع رجال تعز وفيما كان عمه يعارك، في الريف الشمالي، كل حملات الترك؛ كان جسار حمود يعارك البريطاني في ريف الجنوب اليمني ليرتقي شهيداً ولتبقى حكايته عطراً ملحمياً في قلوب البلاد.. وقيل دفنه رفاقه في الصبيحة وعادوا دون مقدامهم ومقدمهم جسار الشهيد ضد التاج البريطاني المحتل للجنوب. 

حكايات بارزة في مخلاف أسفل

برزت حكايات كثيرة وهي متواترة بفم كل الناس وأولهن أن علي اسماعيل عندما غادر الأقيوس من مخلاف أعلى إلى مخلاف أسفل أراد الاستقرار في قرية (ربع) بمحاذاة الرعينة فقال الجبل جبل إشارة، لحيث يشيد داره بمكان حصين، ولكن الوادي ميخارجش (بالبلدي) وانتقل إلى الطرف الآخر من مخلاف أسفل بمحاذاة الهشمة التي تفصل بين مخلاف وتعز فقال الوادي وادي ولكن ااااح، تنهد لعدم وجود مكان حصين، ثم استقر في قرية الكدرة بحيث داره الآن فالمكان المحصن والوادي الفسيح هما منيته وهكذا سكن الكدرة، وعنه قيل ضرب بسيفه عنق الجمل فبتره ثم أن هناك حكاية مقتله غيلة وكان لم يحط نفسه بمنعة أنه عندما أصيب بطلق البنادق وهو خارج من داره الحصين خوفا على ولده الذي يرعى الجمال أسفل الدار أخذ الجنبية وقام ينقش قدميه لتعتقد زوجته التي ترقبه أنه سقط فقط من شوكة بقدمه أصيب بها خشية أن تخاف..

أما نجله أمين مدهش علي الشقيق الأكبر للشيخ رزاز مدهش علي الذي يعد من رجال مخلاف أسفل الكبار فقد ضحى بغالبية أرضه وهي كثيرة بدعوى ومحاكمة من أجل الانتصاف لامرأة، وظلت حكايته تروى إلى الآن عن شهامة ومروءة أمين. 

ويحكى أن أحد المهمشين من رعية الشيخ أحمد سعيد محمد الذي له مشيخ نصف مخلاف بالمناصفة مع أخيه سعيد بن سعيد المخلافي، والى الوقت الحاضر ينقسم المشيخ بين أحفادهما، سافر إلى السعودية وحدثت له مشكلة وقبضت الدوريات عليه وكان المهمش الذي يرى شيخه أحمد سعيد شيخ الأرض كلها لمحدودية تفكيره انبرأ قائلا للضابط السعودي: بوجه الشيخ أحمد سعيد لا تعاقبني. قالها بثقة وكأن السعودي من رعية أحمد سعيد فلما أدرك صدقه أفرج عنه وأجار ثقة وجهه وحمله سلاما لأحمد سعيد، فعاد بعد سنوات وقد عمل وكسب ومعه هدية قائلا للشيخ أحمد سعيد: هديتي لأنك حميتني حتى بالسعودية وأبلغه سلام الضابط.

مخلاف أسفل بلاد العلم 

منها مئات الشخصيات التي وجدت على المسرح اليمني الكامل كدكاترة ومهندسين وأطباء وشعراء ومؤرخين والملف هذا لا يكفي لاحاطة كاملة عن كل مخلاف.. تمت.