من "الدجاجة المُكْعِلة" إلى "ضرائب الدجاج".. الحوثي أشد إرهاباً من أجداده

السياسية - الثلاثاء 24 مايو 2022 الساعة 04:44 م
عدن، نيوزيمن، خاص:

أعاد قرار "ضريبة الدجاج"، الذي اتخذته المليشيا الحوثية، الذاكرة إلى عهود الإمامة، حيث كان يفرض عسكر الإمام على الرعية ذبح الدجاج والأغنام وتقديم صنوف الطعام لهم بما في ذلك الألبان والبيض والسمن والعسل، ما لم فالسجن والسحل والضرب والتنكيل ينتظرهم. 

يروي المعمرون في قرى تعز عن المآسي التي كانوا يتعرضون لها من عسكر الإمام حينها، والتي وصلت إلى حد العبث، حيث كان يشترط العسكري على الفلاح أحياناً ذبح "دجاجة مكعلة" -لديها خصية- لذا فهو لا يرضى بأي دجاجة تذبح له دون أن تحمل خصية، وتحقيق هذا الطلب بطبيعة الحال مستحيل جداً، ما يجعل الفلاحين يعيشون لحظات إذلال ومهانة لا توصف إزاء الطلبات المستحيلة من قبل عكفة الإمام بما في ذلك الضرائب الفادحة والتنافيذ والقهر والسلب والاعتقال، وهو الأمر الذي دفع بكثير من اليمنيين، الفلاحين منهم على وجه الخصوص، الهروب إلى عدن للعمل أو السفر للغربة في الحبشة. 

في رسالته المسماة ب"الآنة الأولى" إلى ما يدعى ب"ولي العهد" أحمد حميد الدين في العام 1938 والذي صار لاحقا إماماً، لخص الأستاذ أحمد محمد النعمان معاناة الرعية حينها الذين يقطنون جنوب البلاد والتي كانوا يسمونها ب"اليمن الأسفل" من عسكر الإمامة القادمين من المناطق الجبلية شمال البلاد والذين كانوا يطلقون على أنفسهم أنهم من "اليمن الأعلى". 

عدّد النعمان المظالم التي أكد في رسالته أنها دفعت الرعية للهجرة وكانت تنهال عليهم. ووصفها بدقة كما يلي: 

المظلمة الأولى: الخطاط

وتعني احتلال العسكر لبيوت الرعية وتكليفهم بخدمتهم، بل وتحمل نفقاتهم، وهذا ما يسمى ب"العسكري بقاء" وقد صار مثلا لليمنيين حتى اليوم، بحيث يأتي العسكري لطلب شخص ما وإذا لم يجده يظل في المنزل يأكل ويشرب وينام ويأخذ كل ما يشتهيه غصباً حتى يأتي الشخص ليحبسه أو يظل العسكري او العسكر محتلين المنزل إلى ما لا نهاية ثم يكون عقاب جماعي للقرية كافة بضرورة تغذية ورفد العسكر وإلا فهم كلهم غرماء.

المظلمة الثانية: التنفـيذ

هي ورقة تحرر بيد العسكري من الموظف المسؤول عن إدارة تلك الجهة يأمر العامل (مدير الناحية) بقطع راتبه ونفقته اليومية، لأنه سيكون ضيفاً على الفلاح، وفوق الضيافة له أجرة منه تقدر بطول المسافة وقصرها.

المظلمة الثالثة: فداحة الضـرائب

(الزكاة) أو (الواجبات) أو (العُشر) أو (حق بيت المال) ألفاظ مترادفة ومعناها واحد هو سلب الرعية بلا شفقة ولا رحمة ولا إنصاف ولا عدل ولا قياس ولا تقدير.

 الرابعة: التخمين والمخامنة

يُعين المخامنة ويبعثون إلى القرى لتقدير حاصلات المزارع من الحبوب التي لو نقصت فليس جزاء المخمن إلا البصق في وجهه واللعن والطرد وتسجيل اسمه خائناً وقليل دين، وساقطاً في نظر الحكومة.

الخامسة: الكشاف والكشف

يبعث في إثر المخامنة (الكاشف) ليكتشف ما كتمه المخمن، ويمثل الدور الذي مثله سلفه، سواءً بضيافة ثقيلة ورشوة مضاعفة وقد يضع تقديراً لغلات الأرض وأعظم من تقدير المخمن لينال حظوةً عند الموظف الذي قلده هذا المنصب.

السادسة: بيت المال أو مصب دماء الرعـية

بعد التخمين والكشف يأتي دور (بيت المال) الذي تحول إليه الحسابات ليقارنها الموظفون مع دفاتر العام الماضي، فإن كانت تحتوي على أكثر مما قدر في السنة السالفة عملوا بها، وإن احتوت على أقل من ذلك رفضها وخاطبوا الرعية أن يسلموا ما دفعوه سابقاً.

السابعة: (المشـايخ) أو (العـرائف) أو (العقـال) أو (السوسة التي تنخر في جسم الرعية)، موجودة بذاتها حالياً لدى الحوثيين ولكن يستخدم المشايخ لتجميع المال لرفد الجبهات، وحشد مقاتلين من أبناء القبائل.  

عند انتهاء بيت المال من عمله وانقضاء مهمته تسلم الدفاتر إلى العرائف الذين استخلصهم العمال لأنفسهم فيخاطبون بما اشتملت عليه تلك الدفاتر، لأن ما سجله فيها هو القضاء المبرم الذي لا يجوز نقضه أبداً ولا تخفيفه بحال من الأحوال.

الثامنة: المأمـور

هذا اللقب يطلق على محاسب وأعوان الموظفين الكبار أو أقاربهم، ومن يمت إليهم بصلة، أو يتكسب لهم، ولقبهم مؤقت وهو عند تقاضي الضرائب من الفلاحين بدلاً عن العرائف، وهو ما يتطابق حاليا مع من يسمون بالمشرفين أو ينوب عنهم.

المظلمة التاسعة: البقية

هذه الكلمة تطلق على ما تدعي المالية بقاءه عند الفلاحين من الضرائب، ومعضلتها التي لم يعرف لها حل ولا نهاية.

المظلمة العاشرة: بقية الضرائب

المُخضر، والنحل، وزكاة الباطن، والمواشي، والفطرة، والتجارة.

هذه بقية الضرائب وهي تؤخذ باسم الزكاة وتستوفى بواسطة المأمورين، أو العرائف، أو المالية رأساً، والعسكر من وراء ذلك لهم دخل في كل شيء.

ضرائب الدجاج الحوثية لم تأت اعتباطا بل هي امتداد لغطرسة وطغيان أجدادهم في حق اليمنيين والتي لم تتوقف عند الدجاج فحسب ولكنها لم تدع شيئا بيد المواطن الا وامتدت إليه. وقد نال الحوثيون -الأئمة الجدد- من كل شيء بيد المواطن، واخترعوا مسميات ليست بجديدة على سابقاتها في عهود أجدادهم بل امتداد لها ومطابقة لما ذكرت سلفا في عهود الائمة كما جاء في نص رسالة الاستاذ النعمان.

في قصيدة "البالة" رسم القيل مطهر الارياني المشهد بوضوح، وكلما أعاد المطالع قراءة القصيدة أو استمع لأغنيتها الشهيرة يعود إلى ذات المشهد اليوم، وكأن الشاعر يصف أيضا بدقة حال اليمنيين تحت سيطرة المليشيا الحوثية:

ذكرت أخي كان تاجر أينما جا فرش

جو عسكر الجن شلوا ما معه من بقش

بكر غبش: أين رايح: قال: أرض الحبش

وسار.. واليوم قالوا حالته ناهيه

بكرت مثله مهاجر والظفر في البكر

وكان زادي من اللقمة ريالين حجر

وابحرت في ساعية تحمل جلود البقر

والبن للتاجر المحظوظ والطاغية

بحثت عن شغل في الدكة وداخل «عصب»

وفي الطرق والمباني ما وجدت الطلب

ثم يتابع الشاعر في قصيدته الأسى والمعاناة التي تبكي الحجر وليس الأعين فحسب:

شكيت لاخواني البلوى وطول التعب

فقالوا: البحر، قلت: البحر واسعية

وعشت في البحر عامل خمسة عشر سنة

في مركب (اجريكي) اعور حازق الكبتنة

وسود الفحم جلدي مثلما المدخنة

وطفت كم يا بلوِّد أرضها قاصيه

من كان مثلي غريب الدار ما له مقر

فما عليه إن بكى وأبكى الشجر والحجر

ابك لك أبك وصب الدمع مثل المطر

ومن دم القلب خلِّ دمعتك جارية

غنيت في غربتي «يا الله لا هنتنا»

ومزق الشوق روحي في لهيب الضنى.

ومع كثرة الهموم والأسى وجحيم الغربة بسبب ظلم وطغيان الكهنوت إلا أن الشاعر يعود للحنين لبلده ثم يتفاءل بالعودة وانهزام الطغاة، كما هو التفاؤل الآن لدى كل مغترب يمني مبعد بسبب جحيم الحرب التي أشعلها أحفاد الكهنوت: 

"راجع أنا يا بلادي يا ديار الهنا

يا جنتي يا ملاذي يا أمي العالية".

في تعليقه على قرارات الحوثي من ضرائب وإتاوات في حق اليمنيين أكد الدكتور عبدالصمد الصلاحي لنيوزيمن، أن هذا الأمر يأتي من اعتقاد متأصل لدى الجماعة على أنهم سادة، واليمنيين عبيد، وبالتالي فكل ما يملك اليمني هو ملك للسلاليين، وإلا فالتنكيل والعذاب والفناء مصير كل يمني لا يرضخ لطلب المليشيا.

ويتابع: اليمن بلد جمهوري، والشعب اليمني يختار رئيسه وممثليه في البرلمان والسلطة المحلية، ولن يحكمنا الحوثي بالقوة (...).