ماريا معلوف

ماريا معلوف

تابعنى على

سياسات أميركية بديلة لاستقرار الشرق الأوسط

الخميس 03 فبراير 2022 الساعة 10:10 م

خلال شهر يناير المنصرم تأكد أن سياسات واشنطن في المنطقة بحاجة إلى إعادة نظر من قبل الساسة الأميركيين.

ذلك أنه وللأسف -مثلا- فإن الحقائق على الأرض في كُلٍّ من إيران والشرق الأوسط أصبحت تتغيَّر بسرعة، فقد أصبحت إيران أقرب من أي وقت مضى إلى القوة النووية.

وبات هناك شعور في دول الخليج العربي بالقلق من انفكاك الولايات المتحدة من الشرق الأوسط في أعقاب الانسحاب الأميركي في أفغانستان، وهي تطلب تعميق شراكتها الأمنية مع واشنطن.

وهنا في الداخل الأميركي لا حديث إلا عن السياسة الاقتصادية المتعثرة في الداخل الأميركي وفيما تؤيّد الصين وروسيا المزيد من التعاون الاقتصادي مع طهران وليس تقليله، تنشغل إدارة بايدن بشكل مُتزايد بأجندة اقتصادية مُتعثّرة في الداخل.

ولنأخذ الآن كيف كان إثر تلك السياسة على طهران.

 بداية فإنه وفي ظل غياب المُساعدة الروسية والصينية بهذا الخصوص، يبدو أن وَضْع نظام عقوبات اقتصادية جديد برعاية الأمم المتحدة ضد إيران مُستحيل، وبالتالي فإن ما يُمكن توقُّعه في أفضل الأحوال هو حدوث "عملية تخريب قصوى" باستخدام الأساليب الإلكترونية والتقليدية للحد من الأنشطة النووية الإيرانية.

أيضا وفي ضوء هذه السياسات تحوّل واشنطن تركيزها إلى الصين ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تعهّد الرئيس الأميركي بإيقاف حقبة من العمليات العسكرية الكبرى الرامية إلى إعادة تشكيل الدول الأخرى، حيث يعد تقليص الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط من ضمن القرارات السياسية القليلة التي اتفقت عليها إدارة الرئيس الحالي جو بايدن مع إدارة سلفه دونالد ترامب.

هنا في واشنطن اطلعت خلال هذا الأسبوع على دراسة نشرتها جامعة براون الأميركية، وكشفت عن أن الحروب الأميركية الثلاثة خلال العشرين عاماً الماضية في العراق وأفغانستان والحرب على الإرهاب تكلَّفت 8 تريليونات دولار، وقتل فيها ما بين 897 و929 ألف قتيل.

وقد حاولت هذه الدراسة مناقشة مراجعة (البنتاغون) لوضع القوات الأميركية في العالم، ومراجعة نهج الانسحاب العسكري الأميركي من المنطقة، بالإضافة إلى التعرف على السياسات الأميركية الجديدة في المنطقة بديًلا عن تقليص قواتها العسكرية.

ذلك أنه وفي فبراير من العام 2020، أعلن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، أن وزارة الدفاع ستجري مراجعة لوضع قواتها في جميع أنحاء العالم بناءً على توجيهات الرئيس جو بايدن، من أجل التوصل إلى أفضل السبل لتوزيع القوات العسكرية على نحو يحقق المصالح الوطنية للولايات المتحدة.

وعلى الرغم من استمرارها، على مدى 10 أشهر تقريباً لكن تلك المراجعة التي أجرتها وزارة الدفاع الأميركية ليس فيها تفاصيل تذكر حول مستقبل الوضع العالمي للجيش الأميركي.

خلال مناقشة مع أحد النواب هنا قرب الكابيتول عن هذه المراجعة ذكر "أن هذه المراجعة لم تُسفر عن أي تغييرات كبيرة في توزيع القوات الأميركية في أنحاء العالم".

وأن خلاصة هذه المراجعة هي الدعوة إلى تحسين البنية التحتية العسكرية الأميركية في بعض المناطق ليس من ضمنها الشرق الأوسط حيث يظهر بوضوح التراجع النسبي في الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة مقارنة بالمناطق الأخرى من العالم، نتيجة تراجع حاجة الولايات المتحدة للمنطقة.

 لكن من نافلة القول إنه من شأن الانسحاب الأميركي الفوري والكامل من المنطقة أن يكون ذا تكلفة باهظة، ‏على مستوى الأمن الإقليمي والدولي، وكذلك على المصالح ‏الأميركية.

‏لقد ارتبط التواجد العسكري الأميركي بمنطقة الشرق الأوسط بالحفاظ على المصالح الأميركية في المنطقة، والتي تمثلت في الحفاظ على توازن القوى، بما يعزز الاستقرار الإقليمي، ويحمي الحلفاء الولايات المتحدة بالإضافة إلى مكافحة التهديدات الإرهابية، ومنع الانتشار الإقليمي لأسلحة الدمار الشامل، وتشجيع التجارة الثنائية.

اليوم وخلال الأشهر المقبلة يمكن القول إن تراجع مستوى الوجود العسكري الأميركي في المنطقة سيضطرها لتعزيز سياسات بديلة لتلبية الاحتياجات الأمنية في المنطقة.

 ويمكننا أن نقول ومن خلال الاطلاع على تقارير عدة عرضت في الإعلام هنا في الداخل الأميركي أن تلك السياسات يرى معظم النواب في الكونغرس أنه ينبغي أن تتمثل فيما يلي:

 أولا- الاعتماد على وسائل التقدم التكنولوجي: حيث ستعتمد الولايات المتحدة على استخدام التقنيات الجديدة في المعارك والعمليات العسكرية المحدودة، مثل الطائرات بدون طيار بدلاً من الأشخاص، ممَّا سيسمح لصانعي القرار الأميركيين بالابتعاد عن فكرة الحفاظ على القواعد العسكرية الأكبر في الخارج.

ثانيا- ضرورة تفعيل دول الخليج لآلية "الدفاع الذاتي": حيث ترى الولايات المتحدة أن دول مجلس التعاون الخليجي ليست عاجزة عسكرياً، بل هي تمتلك منظومات دفاع صاروخية متقدمة، بما في ذلك "باتريوت" ونظام "ثاد"، والتي يمكن لها بالتأكيد أن تتصدى لأيّ تهديدات صاروخية إيرانية.

ثالثا- تشجيع القوى الإقليمية على المشاركة في إرساء الأمن: حيث يبرز التوجّه الأميركي نحو تشجيع قوى إقليمية للمشاركة في إرساء معادلة الأمن وتوازن القوى الإقليمي، وخاصّة مصر، التي تحظى بالقبول الخليجي.

ففي 13 إبريل الماضي، جاء الإعلان عن انضمام مصر للقوات البحرية المشتركة في منطقة الخليج، وهو تحالف متعدد الجنسيات للأمن ومكافحة الإرهاب وتأمين الممرات ‏والمضايق المائية من قناة السويس وحتى مضيق هرمز.

رابعا- يرى كثيرون أنه بالبحث عن أساليب لا تتطلب كثافة الوجود العسكري المباشر وبينما يؤدي الوجود العسكري الأميركي إلى نتائج عكسية، إلى حد كبير، فإن تقليص القوات العسكرية الأميركية سوف يعزز من فرص تحسين القنوات الدبلوماسية، ومن فرص الوصول إلى اتفاقيات تعاون وتفاهم بين القوى في الإقليم.

أخيرا- الاستثمار في وسائل بديلة من أجل حماية المصالح الأميركية: ينبغي فيه على الولايات المتحدة الاستثمار بشكل أكبر في الاستخبارات، وأنظمة الإنذار المبكر، وأيضاً الاستثمار في منظومة دفاع صاروخي مشتركة بالمنطقة، وإعادة النظر في انتشار حاملات الطائرات بالمنطقة، بالإضافة إلى زيادة مبيعات الأسلحة الأميركية للحلفاء، والسعي إلى تنسيق وثيق مع الدول الإقليمية، والانخراط في دبلوماسية قوية وفعالة.

والاستفادة من التقاربات الإقليمية وتعزيز القدرات التشغيلية المشتركة بين الجيوش العربية والجيش الأميركي من خلال التدريبات والمناورات العسكرية المشتركة، ومنها - على سبيل المثال- المناورات العسكرية المشتركة في الخليج العربي التي أطلقتها القيادة ‏المركزية للقوات البحرية الأميركية في 10 نوفمبر الماضي مع دولة الإمارات وإسرائيل والبحرين، لتعزيز قابلية التشغيل البيني للقوات البحرية للدول المشاركة.

وعلى الولايات المتحدة أن تضع في اعتبارها مصالح الحلفاء في الشرق الأوسط، حيث أن ذلك الأمر ضرورة قصوى لحماية المصالح الحيوية الأميركية وليس فقط مصالح الحلفاء.

* نقلا عن موقع سكاي نيوز عربية