حسين الوادعيحسين الوادعي

“كورونا” وسوق نظريات المؤامرة..!!

مقالات

2020-06-11 19:47:05

على خلفية جائحة “كورونا” تداولت مواقع السوشيال ميديا العربية بكثافة أطروحات “مؤامرة كورونا” على يد أبرز منظريها، ابتداء من ديفيد آيك، صاحب الفيديو الشهير الذي تم تداوله أخيراً عن جماعة دينية سرية نشرت الفايروس، من أجل حبس الناس في البيوت والاستيلاء على المشاريع الصغيرة.

وهناك باري تاور مروج نظرية تسبب شبكات الانترنت الجيل الخامس G5 في نشر الفايروس، وهو الزعم الذي تلقفته السوشيال ميديا العربية بكتّابها ومثقفيها ومتابعيها وسلمت به من دون تمحيص. وبعد هدوء قصير، جاءت نظرية المؤامرة الثالثة عبر باحثة وحاصلة على دكتوراه جودي ميكوفتش، ثم نظرية مؤامرة رابعة على يد طبيب أميركي مجهول اتهم بيل غيتس بالمسؤولية عن نشر الفايروس لإجبار الناس على اللقاحات وزرع شريحة يتم التحكم من خلالها بعقول الناس!

كانت الأمم المتحدة دقيقة حين قالت إن العالم يواجه جائحة طبية وجائحة إعلامية infodemic في الوقت نفسه.

جاءت المعلومات المضللة بما فيها نظريات المؤامرة لتعيق قدرة المواطنين على تكوين صورة دقيقة صادقة عن الجائحة وكيفية حماية أنفسهم.

وقد أنعش “كورونا” سوق نظريات المؤامرة العالمية وحول رموزها من شخصيات معزولة يتم التعامل مع أطروحاتها بسخرية إلى نجوم للسوشيال ميديا بكل لغات العالم.

حذف “فيسبوك” و”يوتيوب” فيديوهات المؤامرة لأنها كانت تدفع الناس إلى سلوكيات خطرة قد تودي بحياتهم.

وأثار الحذف جدلاً كبيراً حول حدود حرية التعبير وهل حذف فيديوهات تروج معلومات خاطئة يعد اعتداء على حرية التعبير أم أن حياة الناس أهم؟

وكانت السوشيال ميديا العربية مواكبة ومستوردة سريعة لنظريات المؤامرة الغربية، مع إضافة نظريات مؤامرة ذات نكهة عربية أصيلة.

استورد العرب نظرية المؤامرة من ضمن ما استوردوه من فكر غربي غثه وثمينه.

لا شك في أن مشاعر الخوف من الغريب والأفعال الشريرة ومؤامرات الأعداء كانت موجودة في الثقافة العربية الإسلامية منذ نشوئها، لكن الإيمان بوجود مؤامرة كونية تديرها جماعة سرية تسعى إلى الهيمنة على العالم، والسيطرة على اقتصاده ونشر الانحلال هو إيمان حديث ناتج عن التأثر بأطروحات منظري المؤامرة الذين تملأ كتبهم ومحاضراتهم أسواق العالم الغربي وفضاءه.

صحيح أن العرب والمسلمين تبنوا نسختهم الخاصة من نظريات المؤامرة مثل الحديث عن المؤامرة على الإسلام أو المؤامرة على العروبة.

لكن هذه النسخ المؤامراتية ظلت بدائية وموسمية ومتقلبة على عكس نظرية المؤامرة الغربية التي تحولت إلى كتب وجماعات ومؤتمرات وكتاب ومؤلفين مشهورين يكتبون ويتحدثون على مدار الساعة مفسرين كل أحداث العالم من منظار المؤامرة؟

لا تعني نظرية المؤامرة فقط أن هناك مؤامرات في العالم، فالمؤامرة جزء من التاريخ الإنساني.

أما نظرية المؤامرة فتقوم على الإيمان بوجود مؤامرة كبرى Grand Conspiracy، تتحكم في أحداث العالم وتغيراته السياسة الاقتصادية والاجتماعية.

العمود الفقري لنظرية المؤامرة أن هناك حكومة عالمية خفية تتحكم في العالم من خلف الستار.

لا شيء في العالم يمضي نتيجة تطور طبيعي في عالم نظرية المؤامرة.

فأحداث 11 أيلول/ سبتمبر، نتيجة مؤامرة للمخابرات الأميركية والحكومة الخفية من أجل السيطرة على العالم، وأوبئة سارس وإنفلونزا الخنازير وانفلونزا الطيور، جوائح مزيفة لتنفيذ أجندة خفية لحكومة العالم الخفية.

بعد ذلك تتنوع تفصيلات نظرية المؤامرة بين البسيط والمتواضع والمجنون.

تبدأ تفصيلات نظرية المؤامرة من المضحك مثل الدفاع عن نظرية الأرض المسطحة ووجود مؤامرة لإيهام الناس بكروية الأرض، وصولاً إلى إنكار واقعة الهبوط على القمر باعتبارها أيضاً تضليلاً مؤامراتياً لا تدري لماذا؟!

ومن المضحك، ننتقل إلى الخطير مثل الحركة المضادة للقاحات التي تروج لنظرية مفادها أن اللقاحات مجرد مؤامرة من الصيدليات الكبرى من أجل خلق أمراض جديدة أو أمراض وهمية لاستمرار مبيعاتها من الأدوية.

وخطورة هذه الفكرة أنها نجحت في خلق تشويش عالمي حول قضية اللقاحات وتسببت في وفاة مئات الأطفال بسبب أوبئة كانت على وشك الانقراض من العالم المتقدم كالحصبة مثلاً.

والأخطر أن موادها الدعائية وصلت إلى الجماعات المعادية للتحصين في العالم الإسلامي وخلخلت إيمان الآباء والأمهات في أهمية التلقيح لحماية أولادهم من الموت بأحد أمراض الطفولة.

عام 2019 صنفت منظمة الصحة العالمية الحركة المضادة للقاحات كواحدة من اخطر التحديات الطبية عالمياً.

لكن نظرية المؤامرة فيها المجنون إلى جانب المضحك والخطير، مثل الفكرة الرئيسية لديفيد آيك الذين تناقل مستخدمو السوشيال ميديا العرب فيديوهاته بكثافة والذي يؤمن أن زعماء العالم هم مجموعة من السحالي القادرة على التحول إلى بشر من مجموعة نجمية بعيدة اسمها “مجموعة دراكو”، ثم استوطنت الأرض وتخفت في شكل البشر للتحكم في العالم من خلف الستار.

هل هذا الانجراف خلف نظريات مؤامرة بهذه السطحية والتفاهة شيء يدعو إلى القلق في البيئة العقلية العربية؟

تنتشر نظريات المؤامرة في البيئات والمجتمعات، لكن يقول السيكولوجيون إن البيئات التي يحس فيها أفرادها باللاجدوى والعجز والانخفاض في تقدير الذات تكون الأكثر تقبلاً وترويجاً للتفكير التآمري.

وفي مجتمعات تمضي حياة الناس فيها خلف المجهول، وتخفي حكوماتها الحقائق الأساسية البسيطة عن مواطنيها وتعزلهم عن عملية صنع القرارات التي تمس حياتهم، تصبح نظرية المؤامرة المتنفس الوحيد وربما الأسلوب الوحيد للضعفاء لإضفاء معنى على الفوضى الجارية في حياتهم.

حين عجز العرب عن فهم الأسباب العميقة التي أدت إلى سقوط فلسطين وتأسيس دولة إسرائيل اعتنقوا نظرية المؤامرة اليهودية العالمية وتحول كتاب “بوتوكولات حكماء صهيون”، إلى كتاب أساسي لتفسير القضية الفلسطينة والدولة الإسرائيلية ثم لاحقاً لتفسير كل ما يحصل في العالم تحت يافطة “اليهود يحكمون العالم ويسيطرون على كل شيء”.

ثم توسعت نظريات المؤامرة العربية الشرق الأوسطية لتضم طيفاً واسعاً من التفسيرات التآمرية من أحداث 11 أيلول إلى احتلال العراق وأحداث الربيع العربي.

خلقت الديكتاتوريات العربية ونظام التعليم الرسمي المتهالك والايديولوجيا الدينية بيئة مثالية لنظرية المؤامرة.

وعندما جاء “كوفيد 19″، وجاءت معه نظريات المؤامرة، وكان العقل العربي فاقداً المناعة تجاه أسخف نظريات المؤامرة.

بل إن نظريات المؤامرة قدمت له ترياقاً نفسياً للانتقال من الشعور بالعجز واللاجدوى إلى وهم امتلاك “الحقيقة التي تخفيها الحكومات، والقدرة على الوصول إلى معلومات خفية وخطيرة وسرية”.

لكن نظريات المؤامرات الجديدة حول “كوفيد 19” تكشف عن جهل شائع بأبسط المعلومات العلمية.

فموجات 5G لا يمكن أن تتسبب في خلق فايروسات داخل الجسم، ولا تستطيع أي شريحة مهما كانت أن تتحكم في عقول الناس وتصرفاتهم.

كما أن الأمراض التي تصيب الإنسان مثل الحصبة والجدري والإيدز والطاعون، هي أمراض كانت تصيب الحيوانات فقط، ثم انتقلت إلى البشر من خلال طفرات فايروسية من دون حاجة لأي تدخل بشري أو أي تلاعبات مخبرية.

إن المناقشة العقلية لنظرية المؤامرة تجربة مؤلمة لكنها تستحق المجهود.

فالمؤامرة فكرة لا عقلانية مفرطة ومستفزة.

وتستطيع نظرية المؤامرة استخدام فكرتين متناقضتين من أجل إثبات وجهة النظر ذاتها.

عندما بدأت الحكومات قبل أسابيع فرض سياسات حظر التجوال والتباعد الجسماني، اتخذ منظرو المؤامرة هذه الإجراءات دليلاً على وجود مؤامرة حكومية عالمية لاستعباد الناس وحبسهم داخل بيوتهم، وعندما بدأت إجراءات تخفيف الحظر والعودة التدريجية إلى الأنشطة في بعض الدول، عاد منظرو المؤامرة ليستخدموا هذه الإجراءات لدعم نظرية المؤامرة من زاوية أنه لا يوجد فيروس ولا يحزنون، وكل ما حصل هو تمثيلية وخطة.

لكن خطورة ربط العقل العربي بالحبل السري المباشر لنظريات المؤامرة العالمية يتمثل في أن نظرية المؤامرة في الغرب تتشكل من حزمة متكاملة من الأفكار الخطرة (أيديولوجيا شعبوية عنصرية ضد المهاجرين وضد اليهود والسود، وخرافات علمية شائعة حول اللقاحات وخطورتها، ونزوع شعبوي ونازي أحياناً للتشكيك في العقل والعلم وكافة أنواع السلطات لمصلحة أوهام الحصول على معلومات سرية وحصرية عن المؤامرات السرية التي تستهدفك ولم تكن تعرف عنها شيئاً، قبل أن نخبرك ذلك!).

وعندما تناقش جماعات وأفراداً يؤمنون بأن مناقشة نظريات المؤامرة مؤامرة بحد ذاتها، فيجب أن تعرف مسبقاً الجهد العقلي والنفسي الذي تحتاجه للوصول إلى أرضية مشتركة.

* من صفحة الكاتب على الفيسبوك

-->