حكيم الجبليحكيم الجبلي

ضد التفسيرات الأحادية حول شقاء وتخلف اليمن

مقالات

2020-07-15 23:40:05

الباحث الجاد لا يستسيغ، إطلاقاً، التفسيرات الأحادية الجاهزة مثل تلك التي تخبرك بكل حماسة أن المال السعودي هو سبب شقاء وتخلف اليمن في الخمسين عاماً الماضية، كما لو أن اليمن قبل المال السعودي كان نسخة من السويد.

أو تلك التفسيرات التي تقول إن فترة حكم الرئيس صالح هي سبب بلاء اليمن، كما لو أن اليمن كان قبل حكم الرئيس صالح فردوساً أخضرَ، يبرق بالضوء وبالجمال، وينعم الشعب فيه بالرفاهية والحرية والسعادة.

قد تفيد مثل هذه التفسيرات كمادة في التحريض والدعاية السياسية، لكن لا ينبغي معاملتها كحقائق تاريخية.

كنا خرابة قبل المال السعودي وقبل قيام الدولة السعودية. وهكذا كنا قبل حكم الرئيس صالح. ولا يوجد رابط موضوعي بين المثالين: المال السعودي وحكم الرئيس صالح. لقد تبادرا إلى الذهن فقط للتدليل على نوع من القراءات الأحادية التبسيطية.

نحن هنا ضد المبالغة في يقين البعض بالأحكام التي يصدرونها جزافاً على حِقب تاريخية تدخَّلتْ في صياغتها آلاف المؤثرات والتعقيدات والفرص والتحديات.

أحاول أن أنظر إلى ما كان عليه اليمن قبل ظهور الدولة السعودية الحالية، لكي أتخيل أقداره الجميلة التي تسبب المال السعودي في حرمانه منها. كنا قبل مئة سنة، أي قبل ولادة الدولة السعودية الثالثة، مجالاً مقسوماً بين نفوذ تركي شمالاً وحماية بريطانية جنوباً. حروب ومعارك مع الأتراك في الشمال، وتجزؤ مشيخي وسلاطيني فوضوي في الجنوب.

وهذا لا يعني أن لظهور الدولة السعودية أي فضل في تكوين اليمن الحديث سياسياً، فقد تكوَّن اليمن على مراحل بمساعدة من عوامل كثيرة داخلية وخارجية. وجود السعودية بجوارنا لم يبنِنا كدولة، ووجودها لم يهدمنا كدولة. السعودية الحالية، منذ قيامها، تدخلت في اليمن بالتأكيد، وأعاقت أو دعمت هذا الاتجاه أو ذاك، لكن مصير اليمن السياسي كان يتشكل في لحظات حاسمة ضد إرادة السعودية التي كانت تتكيف مع الحقائق الجديدة: قامت الجمهوريتان في الشمال والجنوب ضد إرادة السعودية وتحققت الوحدة اليمنية 1990 ضد إرادة السعودية، وانهار اليمن في 2014 على نحو مغاير لما تريده السعودية. وهذا إن دل على شيء، فهو أن لما تستطيعه السعودية في اليمن حدوداً.

لم يُلحِق بنا المال السعودي من الضرر ما ألحقناه بأنفسنا. والحديث هنا يقتصر على الفترة السابقة لانهيار الدولة اليمنية عام 2014، وليس ما بعدها، لأن ما بعدها يحتاج إلى تقييم مختلف. والمال السعودي لو أضر بنا فما كان له أن يفعل لو لم نكن في كامل الجاهزية لتلقي الضرر من كل الجهات. وهو أضر بنا ولا شك، لكن بالقدر الذي أفاد أيضاً إذا نظرنا للأمر من زاوية مختلفة. والضرر كان يتمثل في إنفاق الحكومة السعودية على شبكات رعاية ومراكز نفوذ داخل اليمن لإضعاف سيادة وتأثير الحكومة المركزية، وأحياناً من خلال تدفق غير رسمي للمال السعودي، والمال الخليجي بشكل عام، يذهب لتمويل برامج تعليم ديني سلفي متطرف، والاستثمار الناعم في تأسيس جمعيات خيرية وهيئات دعوية مرتبطة بتنظيمات ما يسمى بالإسلام السياسي.

بيد أن مضار هذا النشاط، إلى ما قبل 2014، ومهما بلغت هذه المضار، فهي لا تفسِّر بمفردها ما يعيشه اليمن اليوم من شقاء وتفكك. لا يمكن أن يُعزَى كل شيء ببساطة إلى إرادة سعودية تخريبية شريرة! كما لو أنه كان هناك يمن آخر مشيَّد ومصقول، قبل أن يداهمه المال السعودي ويُوقِع فيه الخراب والفساد.

ثم ما الذي كناه قبل حكم علي عبدالله صالح؟

بعيداً عن التهويمات والتحيزات المسبقة والتقييمات الانتقائية المغرضة، لنأخذ مجموعة قضايا ومؤشرات، ونعاينها بالمقارنة مع العهد السابق لحكم صالح أو مع العهد اللاحق.

مثلاً:

كم كانت المدارس قبله وكم أصبحت في عهده؟

كم كانت الجامعات قبله وكم أصبحت في عهده؟

كم كانت نسبة الأمية قبله وكم تناقصت في عهده؟

كم كانت المستشفيات وكم أصبحت؟

كيف كانت الحريات السياسية قبله وكيف أصبحت في عهده؟

كم كان عدد الصحف قبله وكم أصبح عددها في عهده؟

كم أُجريتْ انتخابات برلمانية ورئاسية قبله وكم أُجريتْ في عهده؟

كم مؤتمر حزبي انعقد قبله وكم في عهده؟

كم كتاب صدر قبله وكم في عهده؟

كيف تطور الجهاز الإداري للدولة في عهده مقارنة بما كان عليه قبله؟

وهكذا.. تُؤخذ قائمة طويلة من المواضيع الحيوية وتخضع للتقييم والمقارنة.

وهذا يعني أن نتخذ من العهود السابقة له نقطة مرجعية في حكمنا على عهده مثلما نتخذ من عهده نقطة مرجعية في حكمنا على المرحلة التي أعقبت خروجه من السلطة.

أو أن نحاكم كل المراحل والعهود استناداً إلى ما يجب أن يكون عليه الحال نظرياً، أو بحسب مبادئ مجردة، أو أن نتخذ مقاييس من نماذج راقية في بلدان وحضارات أخرى.

أو أن يُحكَم على العهد بالجملة منظوراً إليه في إطار تاريخ الأمد الطويل لليمن، ويقاس بالمكانة التي صار إليها اليمن بوحدته عام 1990 ضمن دولة ممتدة من صعدة إلى سقطرى على مدى عشرين عاماً.

أما القول إنه كانت هناك فرص وإمكانات لإنجاز أكبر مما تم إنجازه، أو أفضل مما تم إنجازه، وأن صالح كان سبباً في تفويتها والتفريط بها، فهذه دعوى لا يمكن اختبارها وقياسها، وبوسعنا دائماً وبكل سهولة أن نطلق دعاوى مشابهة بشأن كل الحقب والعصور السياسية. وهي دعاوى مشروعة ولا يحق لأحد أن يصادر الحرية في إطلاقها.

لكن هناك حدود لما يمكن للسياسي الناجح أن يفعله، فهو محكوم بظروف لا يستطيع تخطيها، "التاريخ الإرادوي مجرد وهم، ونقطة ماء في المحيط"، كما يقول المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل. ولم يتراجع بروديل عن كلامه، رغم أنه كان يعلم أن الحديث على هذا النحو معناه "الدفاع عن البراءة المتواترة للحكومات، للحكومات الجادة، الموقَّرة: فهي ليست متهمة في تسعة أعشار الأخطاء التي تُلصَق بها، وذلك لأنها لا تستطيع حيالها شيئاً".

-->