د. عبد العزيز المقالحد. عبد العزيز المقالح

مع هذا التطور المدهش للحياة هل الوقت من ذهب؟

مقالات

2020-07-16 09:15:00

عبارة (الوقت من ذهب) تعلمناها منذ الصغر، لكننا لم نستوعب قيمتها المعنوية والعلمية حتى الآن، فالوقت بالنسبة إلى الأغلبية من أبناء أمتنا العربية، يذهب هدراً وكأنه ليس جزءاً لا يتجزأ من حياتنا، التي تتبدد هي الأخرى وتذهب في الغالب هباء.

 وقد عرفت أمتنا في ماضيها البعيد وحاضرها القريب نماذج من العلماء الذين عرفوا كيف يقدرون الوقت ويعطونه ما يستحقه من أهمية، ومن هؤلاء رجال الموسوعات الذين عكفوا على إعدادها في صبرٍ وجهد عظيمين. 

ومن يتوقف قليلاً عند الموسوعات اللغوية أو الجغرافية أو موسوعات المدن يدرك الجهد العظيم والبعد الواضح، وبخاصة في معاجم اللغة ومعاجم البلدان ومعاجم الشخصيات. 

وكان بعض هؤلاء العلماء وهم يتحدثون عن المدن العربية، لا يكتفون بنقل ما ورد في بعض الكتب والمعاجم، بل يسافرون إليها مشياً على الأقدام، ويعرّجون عليها مدينة مدينة، وهو ما جعل ما كتبوه مرجعاً وثائقياً لا يتسرب إليه الشك.

ولنا أن نتذكر بأن اليمن قدم نماذج بارزة في هذا المجال، وكان أبو محمد الحسن الهمداني، هو النموذج الأبرز في هذا المجال، وفي كتابه (صفة الجزيرة العربية) ما يغني الدلالة على هذه القيمة، فقد طاف الجزيرة العربية من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، وقدّم للأجيال هذه الموسوعة العلمية، التي ماتزال محل تقدير واعتبار.

 والباحثون الكسالى هم أولئك الذين يكتفون بنقل المعلومات عن الكتب، ولا يجشّمون أنفسهم عناء المعرفة العملية والتنقل من مكان إلى آخر.

 لهذا تكون معلوماتهم ناقصة، وفي أحيان كثيرة لا قيمة لها.

والمؤسف أن الوقت الحاضر وقد وفّر الكثير من الإمكانات، وصار في إمكان الباحث أن يزور المناطق التي يريد التعرف إليها مستخدماً الوسائل الحديثة، لكن ما نراه ونقرؤه من معلومات عن بعض هذه المناطق يبدو مشوشاً وغير واضح المعالم، ما يضطر البعض إلى العودة إلى تلك المعاجم التي تركها الأولون ومنحوها من الوقت الكافي، ما جعلها جديرة بأن تكون المرجع المطلوب.

وكان واضحاً أن الوقت عند هؤلاء الآباء لم يكن يذهب هدراً، وكان بالنسبة إليهم من ذهب حقاً لا من تراب، وبفضل العناية به والإحساس بأهميته تمكنوا من تحقيق تلك الإنجازات الجليلة في مختلف المقاصد.

 لا ننكر أن في العصر الحديث، قد ظهرت مواهب عربية أفادت من وقتها وأنجزت بعض المعاجم والموسوعات الحديثة، ومنها كتاب (المنجد)، هذه الموسوعة أو الذخيرة العلمية، التي استطاع بها صاحبها أن يستوعب الكثير مما يهم الباحثين ويسهل أعمالهم. 

وهذه الموسوعة الحديثة، كما هو معروف، تتناول البلدان والشخصيات واللغة والجغرافيا، وتقدّم جرعاً كافية لمن يريد أن يعرف عن الواقع العربي مكاناً ومعرفة، ما يطمئنه ويضاعف من معارفه.

 ولقد ظهرت في الآونة الأخيرة موسوعات تقوم بإعدادها مؤسسات رسمية ومستقلة، حققت في وقت قصير الكثير مما كنا نحلم به.

 ومايزال الباب مفتوحاً أمام تلك المؤسسات لتواصل جهدها، وتعمل على تحقيق المزيد في هذا المجال، إذا أحسنت الإفادة من الوقت واعتبرته ذهباً خالصاً. 

صادق جداً ذلك التحليل العميق الذي يرى الاختلاف الحقيقي بين الشرق والغرب، في أن الأول يهمل الوقت ولا يعطيه أدنى اعتبار، والآخر يهتم بالوقت ويراه قيمة بالغة الأهمية.

المعنى يجسد حقيقة واقع الإنسان في الشرق وواقعه في الغرب، ولا وقت لدى الإنسان الأوروبي، سواء كان في أمريكا أو في أوروبا يبدده في اللهو والعبث، وما من إنسان هناك إلاَّ وهو عاكفٌ على عمل ما، ومن خلاصة هذا العمل يعيش ويكسب ويثبت وجوده.

 وما ذلك التطور المدهش في الحياة بكل مستوياتها إلاَّ صدى واستجابة للعمل وتقدير الوقت.

إذاً، مهما قيل فإن الأقوال تذهب هباءً ويبقى منها الحظ على العمل الدؤوب، لتجاوز الواقع بكل مستوياته المشار إليها.

 إن حياتنا صعبة ومعيشتنا صعبة، وكل ذلك يحدث بسبب عدم تقديرنا للوقت أو احترامنا للزمن، ومن المؤكد أن شيئاً من أوضاعنا الراكدة الجامدة لن يتغير، إلاّ بتغيير رؤيتنا وموقفنا من الوقت. 

ويبدو أنني أطلت وكررت الإشارة إلى الوقت متعمداً، لعل ذلك يلفت اهتمام القارئ إلى الفوضى الضاربة أطنابها في حياتنا الراهنة، وما يترتب عليها مستقبلاً لن يختلف كثيراً عن الراهن، ويمكن القول إن بعض الشعوب في الشرق، التي كانت تشاركنا رؤيتنا السلبية للوقت، قد بدأت تتحرك وتقاوم سلبيتها، فهل نتعلم منها ونقتدي بخطواتها، أم سنظل مشدودين إلى واقعنا الجامد؟

 سؤال بالإجابة عنه يتحدد موقعنا، ويغدو الهم شديد الوضوح، وهو هم يتعلق بما تكررت الإشارة إليه من إغفال لأهمية الوقت، واعتباره تراباً بل أقل من التراب.

وحتى لا تمضي بنا التداعيات بعيداً وتضعنا في مواجهةٍ مع اليأس، فعلينا أن نتذكر ماضينا، وكيف نجح أجدادنا في تحدي ظروفهم وصنعوا الكثير مما كانوا يحلمون به، ولنا أن نقتدي بهم، ونحاول كما حاولوا، فالطريق مفتوح أمامنا كما كان مفتوحاً أمامهم، والوقت الذهبي الذي ساعدهم على الإنجاز هو الوقت الذهبي نفسه الذي سوف يساعدنا على الخروج من حالة الجمود.

وما من شعبٍ يرتضي لنفسه البقاء في حالٍ تجمدت عقارب ساعته وتعثرت أقدام أيامه ولياليه. 

وكما بدأت هذا الحديث بالتركيز على ذهبية الوقت؛ فإنني سوف أختم بالإشارة أيضاً إلى ذهبية الوقت، وطوبى لمن أفاد من معرفته المبكرة وتركيزه على أن الوقت حقاً من ذهب لا من تراب.

* نقلا عن مجلة الشارقة الثقافية

-->