عبدالسلام القيسيعبدالسلام القيسي

من وحي دفن الشهيد الفَكِه والضحوك.. الرمعي يولد ثانية في المخا

مقالات

2020-08-13 23:51:58

منذ الصباح الباكر ونحن مع الرمعي.. ذهبنا نحوه، جلسنا بمعيته ساعات وساعات، أخذناه، على هدى حرس الشرف، عزفت الخطوات لحن النهايات بشرف البدايات، البزات والأزياء، القمصان والبناطل، التهامي والمخاوي والصنعائي والتعزي والابي كلهم شيعوا أحمد الرمعي إلى مثواه الأخير في مدينة المخا.

ونحن ندفن الرمعي مزجنا بجدارة عرق المقاومة الوطنية بهذه الأرض، نحن نسكب الدماء هنا، وندفن هامات الرجال، نؤثث بالبكاء مسيرة النضال هنا، نسكب الدمع والدم، الحياة والموت، الخوداني والموسمي والصليحي والرمعي وغيرهم المئات هنا.

هنا حيث تتشكل أوردة جديدة للبقاء والفناء، للنضال بأبهى رجاله يا هؤلاء، نحن هنا أحياء، ولنا هنا رمعي، نحن هنا أموات ولنا هنا رمعي، نحن هنا بقدرة البحر على البقاء وهل رأيتم البحر يترك مكانه..!

عندما ذهبنا لأخذه، تمعنت بجثمانه المسجي براية البلاد وبكيت، بكيت من الداخل، تشكل بكاي إلى دوائر ملتهبة وتفاقمت أحزاني، هل هذا هو الرمعي القدير الفكه الضحوك، كنت أمر بجانب زملائي واسألهم واحدا واحدا: هل هذا أحمد الرمعي؟ يجاوبني كل على حدة بتنهيدة، لكأنهم اتفقوا على عدم الكلام الا بتنهيدة وما جدوى الكلام في حضرة سيد الكلام وان كان ميتا، الصمت أولى، وأعلى، وأجل: فقط تنهيدة، تنهيدة تشرح حجم الوجع.

بعد عودتنا من مقبرة الشهداء كنت في مجلس المركز الاعلامي، الساعة الحادية عشرة ظهرا، وحولي زملاء عشرة، احدهم متكئ، الآخر مضطجع، وسوانا يقرفص، والبعض نسي أن له حق القعود، ظلوا هكذا بقاماتهم، وفجأة أتى أحدهم وسألنا هل هناك صورة للاستاذ أحمد؟ كان سؤاله هو اللحظة الحاسمة في تخيل فقدان الرمعي اكثر من رؤيتي جثمانه ودفنه، صرخت بهم كلهم: معقول، هل تحول أحمد الرمعي كله، بطوله وعرضه، إلى صورة؟

كان رد الزبيدي مفجعا أكثر من سؤالي، خار كثور من كل جوارحه: اااااااااااااححح أو ااااااااخ، أو لا ادري كيف أكتبها، حسرته التي زفر بها لا أبجدية تستطيع القبض عليها، أبدا، لكأن ثارت براكين الأرض دفعة واحدة، ولكأن الحوت الذي يحمل هذه الكرة، كما في الأساطير القديمة، أنهكه التعب وسقط، وسقطنا، إلى أسفل، بموت أحمد الرمعي.

* من صفحة الكاتب على الفيسبوك


-->