د. عبدالودود مقشرد. عبدالودود مقشر

الحــديــدة.. تاريخ الاحتلال البريطاني

مقالات

2021-01-25 16:10:12

تاريخ احتــــلال الحــديــدة من قبل الاستعمار البريطاني (بمناسبة مرور مائة سنة على جلاء آخر جندي بريطاني.. لكي لا ننسى).

كيف تم احتلال مدينة الحديدة؟

بدأت بريطانيا الإعداد والتجهيز لاحتلال الحديدة من اليوم السابع من ربيع الأول 1337هـ/ العاشر من ديسمبر 1918م في عدن، فأعدت وجهزت البوارج والسفن الحربية التالية لهذا الغرض:

1- السفينة إليفانيتا Elephentiaوتحمل على ظهرها 1016ضابطاً وجندياً من رجال اللواء الأول رماة القنابل رقم"101"، 98 حصاناً وبغلاً، 150 رجل احتياط، 300 طن من المحفوظات.

2- السفينة كيسترا Kistra، وتحمل أربعة مستشفيات متنقلة.

3- السفينة جونو Juno، وتحمل رجال المدفعية والمدافع.

4- السفينة سوفا Suva، وتحمل قوة الإنزال والمسئول عن عملية الإنزال الملازم أول ج.ر. تايلورLt.J.R.Taylor.

5- السفينة كيستانيا Kestania، وبها الفرقة 101/2 الأولى من المشاة ومستشفى متنقل وفريق من المهندسين العسكريين وواضعي الألغام.

6- الناقلة أم. أل. تسعهM.L. 9 وهي محملة بالقنابل والذخائر والمؤنة ولديها المركب درايفتر وعليه 150 رجلا، و270 رجلا في قوارب الإنقاذ (في كل قارب من القوارب التسعة 30 رجلا).

7- السفينة بروسبيرين Prosperine.

8- السفينة جويردون.

9-السفينة سوسيتا.

فوصل الأسطول البريطاني إلى شواطئ تهامة اليمنية في الساعة السادسة صباح يوم الجمعة العاشر من ربيع الأول 1337هـ/الثالث عشر من ديسمبر 1918م وتم إرسال وفد للتفاوض مع قائد مدينة الحديدة العسكري التركي، وعرض عليه خيارين:

- الخيار الأول: استسلام قواته وتسليم أسلحتهم.

- الخيار الثاني: الانسحاب إلى داخل تهامة اليمنية عشرة كيلومترات بعيدا عن المدينة.

فرفض القائد التركي كلا الخيارين رغم إعطائه مهلة أربع ساعات لاختيار أحد الخيارين وليتواصل مع قادته.

وبعد انتهاء المهلة بدأت عملية الإنزال ففشلت ثم أعاد البريطانيون الكرة، فتمت عملية الإنزال في الساعة الخامسة والنصف صباح يوم السبت الحادي عشر من ربيع الأول 1337هـ/الرابع عشر من ديسمبر 1918م بقصف مدفعي مكثف مدمر رغم أن القائد العام للفيلق السابع التركي جاء جوابه إلا أن البريطانيين رأوا في جوابه مماطلة وتسويفا، فحجزوا الطاقم التركي المرسل، واستمروا في القصف وتقدمت السرية الأولى باتجاه الشمال من المدينة واتجهت السرية الثانية إلى الطرف الشرقي مستهدفة الثكنات العسكرية التركية، وسرية ثالثة في مؤخرتها وإلى يمينها، أما السرية الرابعة فكانت احتياطية.

وتحت غطاء من القصف المركز من سفينة جونو وسفينة سوفا وسفينة بروسبيرين، دخلت القوات البريطانية إلى داخل المدينة، لتبدأ عملية الاشتباك والالتحام بالسلاح الأبيض من حارة إلى حارة ومن بيت إلى بيت مع المقاومة التهامية.

فاستخدم البريطانيون أساليب وحشية مثل إلقاء القنابل على البيوت التي يشك أن بها مقاومة وعلى من بداخلها من مواطنين وتم نسف مقرات حكومية تركية من دون سبب وتدمير وقصف مآذن بعض المساجد التي ادعوا أن بها مقاومين تهاميين يمنيين وأتراكا، وقتل عدد من جرحي المقاومة أمام نظر الأهالي كأسلوب للتخويف والإرهاب واسر عدد من المقاومين التهاميين اليمنيين، أما الأتراك فتم اسر خمسة من كبار الضباط الأتراك وهم:

1- البمباشي زكي بك.

 2 - رجب بك مدير الميناء. 

 3- قائد الحديدة العسكري. 

 4- قائد الشرطة. 

 5- قائد الفوج110/1الملازم سيد أفندي.

أنزلت القوات الغازية البريطانية بطارية مدافع إلى البر في 15 ديسمبر، فكبدتها المقاومة اليمنية خسائر فادحة تكتمت عن ذكرها وذاكرة أن الخسائر هي جرح ثلاثة جنود بريطانيين فقط وأسر 20 تركياً وغنيمة 5 بنادق النورد نغيلت..! 

وقدم إلى تهامة المقيم السياسي البريطاني بعدن الجنرال ستيورات J.M.Stewart في يوم الجمعة السابع عشر من ربيع الأول 1337هـ / العشرين من ديسمبر 1918م ومعه شعبة من المدافع الحديثة طراز (B101) بينما وصلت سريتان من اللواء الهندي في اليوم التالي.

وبعد احتلال الحديدة بدأت بريطانيا بتنفيذ أجندتها من هذا الاحتلال، فتم إطلاق المعتقلين الأوربيين لدى الأتراك (ففي 16يناير 1919م تم تسليم المجموعة الأولى من المحتجزين ضمت 32 بريطانياً..

كما وصلت في اليوم التالي مجموعة أصغر من المعتقلين السابقين بلغ عددها 13 نفراً ومن بين أفراد المعتقلين البريطانيين السادة "يكويل" "كراتيون" "لودج" كانوا يعملون تحت إدارة السير جون جاكلسون والقائد العسكري)، ثم توالت الدفعات حتى اكتملت في فترة قصيرة.

أما الهدف الأساسي وهو سحب القوات التركية المتبقية بتهامة واليمن وعسير، فبعد قدوم مندوب من الأستانة وهو ضابط برتبة يوزباشي موفد من وزارة الحربية التركية بأوامر خاصة لقيادة الفيلق بصنعاء ومضمونها تسليم جنود الفيلق للإنجليز حسب المادة 16 من اتفاقية الهدنة.

فلذا عمم قائد الفيلق في يوم الاثنين الثامن عشر من ربيع ثاني 1337هـ/العشرين من يناير 1918م بكافة القطاعات العسكرية بلزوم اجتماعهم في المخافر ولأجل ركوب السفن وأعلن عزمه على الاستسلام واستسلام قواته في وقت وصول هذا المندوب ضابط الارتباط التركي لترتيب تفاصيل عملية الاستسلام.

توالت عمليات الاستسلام فكانت المجموعة الأولى من الأتراك قد تم حملها على سفينة البنتاكيتا Pentakita وأبحرت من تهامة في يوم الثلاثاء الرابع من جماد الأولى 1337هـ/الرابع من فبراير 1919م وهم:- 63 ضابطاً، 882 جندياً، 73 امرأة، 66 طفلاً، والمجموعة الثانية أبحرت في 11 فبراير وهم 800 جندي مع ستة بنادق المجموعة الثالثة توجهت إلى مصر مباشرة في 15 فبراير ومعها 68 ضابطاً، 916 جندياً أغلبيتهم من الفرقة 40، وفي الأول من مارس رحل 104 ضباط، 1079 جنديا، 21 مدنيا، 204 نساء وأطفال، وفي 11 مارس رحل 39 ضابطاً، 966 جنديا، وكانت الدفعة الأخيرة انطلقت إلى عدن في 25 مارس وتحمل 80 ضابطاً، 434 جنديا، 199 امرأة، ليبلغ عدد الأتراك الذين تم استسلامهم جميعاً في تهامة 5305 أشخاص.

أما وقع صدى الاحتلال البريطاني لدى الأهالي في تهامة، فشكل صدمة قوية وغير متوقعة وهو ما عبر عنه مؤرخ يمني تهامي معاصر لذلك الحدث فقال: (وفي شهر ربيع الأول...نزلت بالإسلام وأهله باليمن فاقره عظيمة وحادثة جسيمة لم يعهد وقوع مثلها من منذ بعث محمد [إلى] وقتنا وهي أنه وصل عدو الله الأنجليز إلى بندر الحديدة قاصداً النزول به والاستيلاء عليه، فأحاطت به مراكبه البحرية وأنزلوا جيشاً ملأ الفضاء وعدة حربية عظيمة وجبخانات وأرزاق للعساكر فصادف ذلك والبندر قد خلا من أهله بسبب أن الإنجليز قد كانوا من قبل يترددون إليه بالبوابير ويرمونه بالمدافع العظام ففر أهله منه إلى البوادي فدخلته الإنجليز من غير رمية ولا ضرب)، فيلاحظ من النص السابق أن الحديدة كانت خالية تماماً من السكان بسبب القصف المستمر لها في الحرب العالمية الأولى والحصار المضروب عليها وهو ما يؤكده مؤرخ من المدينة نفسها فقال: (لقد تعرضت مدينة الحديدة بضرب القذائف النارية من السفن من البحر ثلاث مرات ويهرب سكانها إلى البلدان المجاورة لها كالمراوعة والقطيع والمنصورية والدريهمي وبيت الفقيه وغيرها).

وذكر الواسعي: (هجم الانكليز على الحديدة بأحد عشر أسطولاً على حين غفلة بعد طلوع الفجر من غير إعلان ولا استعداد وضربوها بالمدافع وخربوها وذهبت أموال كثيرة وفر أهلها إلى التهايم في حالة يؤسف لها ولم يأخذوا معهم شيئاً وكل أحد نجا بنفسه والمدافع تطلق قنابلها، ثم احتل الانكليز الحديدة وتراجع الناس وصار أكثر الناس يسكنون الخرائب وفي البيوت القش وبعضهم صلّح منزله بما يقدر عليه).

لاحظ المؤلف أن أغلبية من فر من الحديدة حسبما أورد الوشلي ويوسف بك حسن ومطير هم من الأسر الأرستقراطية والعلمية، وهم الذين -فيما بعد- عاد أغلبيتهم وسكنوا بجانب منازلهم التي قد نالها قسط من الخراب والتدمير، ولكن هناك قضية أن المدينة كانت خالية من السكان.

ففي هذا نظراً، لكون المدينة كانت قد تجاوزت الخمسين ألف نسمة، والطبقات الكادحة والعمالية هي السمة الغالبة للتكوين الاجتماعي في المدينة فأغلبيتهم لا يملكون إلا بيوتهم القشاشية فقط، وظروفهم الاقتصادية والمعيشية معدمة فلا تسمح لهم بالانتقال من موطنهم إلى مواطن أخرى إطلاقاً، وهم من كان فيما بعد لب المقاومة الشعبية اليمنية التهامية ضد الغازي المحتل.

* من صفحة الكاتب على الفيسبوك

-->