حسين الوادعي

حسين الوادعي

تابعنى على

أفغانستان.. من الحداثة إلى قاعدة الإرهاب والغول الطالباني!!

الأحد 11 يوليو 2021 الساعة 09:49 م

لا يستطيع أحد أن يتخيل اليوم أن افغانستان قبل مائة سنة (1919- 1929) كانت رائدة الحداثة الإسلامية بعد تركيا الكمالية.

 وكانت ثاني دولة اسلامية تتبنى خطا تحديثيا شجاعا تجاه التعليم والحريات والحقوق وتحرير النساء.

شهدت السنوات 1979 الى 1990 ظاهرة "أفغنة افغانستان" وتجريف وجهها المدني وتحويلها إلى بلد بدائي تحكمه السلفيات المتصارعة الاشد تطرفا وانغلاقا.

غزت "الطالبانية" أفغانستان ونخرت خلاياها كالسرطان.. ولا يبدو ان الفرج قريب.

*    *  *

لم يكن خبر توقيع اتفاقية السلام بين القوة الأكبر في العالم وحركة طالبان الأفغانية ولا اخبار سقوط المدن الافغانية تباعا في يد الغول الطالباني خبرا عاديا بالنسبة لي.

 لقد أعادتني الأخبار إلى الوراء مائة عام بالتمام والكمال، الى العام 1919.

لقد حقق الأمير الشاب "أمان الله خان" حلم الأفغان في الاستقلال عن الاحتلال البريطاني.

 لم يكن الاستقلال نهاية الطريق للامير المستنير. 

لقد تأثر أمان الله بحركة "أتاتورك" وأفكاره، وقاد حركة طموحة لتحديث افغانستان على الطريقة التركية الاتاتوركية.

 لقد أنشأ المدارس الحديثة، وشجع التعليم، واصدر التشريعات المتلاحقة لدعم حقوق المرأة والغى الطلاق الشفوي والحجاب وقيد تعدد الزوجات وشجع على علمنة البلاد وإقامة حياة سياسية تعددية وبرلمان نشط في البلاد.

تجاهلت الدول العربية مشروع التحديث الاتاتوركي الذي وضع أمامها الطريق السليم للدخول الى حضارة القرن العشرين، لكن الأمير الأفغاني الشاب التقط الخيط وقاد المبادرة لتصبح افغانستان منارة للانفتاح الاجتماعي والتحديث السياسي في منطقة وسط آسيا.

سقط حكم الأمير المستنير، الذي سيتحول الى ملك عام 1929، بعد انقلاب تحالفت فيه الرجعية الأفغانية مع بريطانيا. 

لكن افغانستان ظلت محافظة على طريقها التحديثي. 

كانت افغانستان مجتمعا يمضي نحو الحداثة ومختلفا عن الصورة السوداوية البدائية التي كرسها المجاهدون الأفغان وطالبان لأفغانستان كبلد من المقاتلين والرجال الملتحين والنساء المنقبات.

عام 1933 تولى حكم افغانستان ملك مستنير آخر هو "محمد ظاهر شاه" استمر في جهوده في تحرير المرأة وتحديث المجتمع الأفغاني ونشر التعليم وتعميق الديمقراطية البرلمانية.

 كانت افغانستان بلدا رائدا في الحداثة والديمقراطية. 

لكن في عام 1973 سقط الملك المستنير ضحية انقلاب، بعد الانقلاب تحالف الماركسيون الأفغان المرتبطون بالاتحاد السوفيتي للوصول الى الحكم، وفقدت أفغانستان حياتها السياسية التعددية وانفتاحها على العالم لتقع ضحية الشمولية الأولى.

 لكن الشمولية الماركسية ستقع نفسها ضحية الشمولية الدينية الأسوأ في العالم، المجاهدون الأفغان المدعومون من الغرب لوقف المد الشيوعي.

شهدت السنوات 1979 الى 1990 ظاهرة "أفغنة افغانستان" وتجريف وجهها المدني وتحويلها إلى بلد بدائي تحكمه السلفيات المتصارعة الاشد تطرفا وانغلاقا.

لم يعد أحد يعرف شيئا عن أفغانستان العلمانية الديمقراطية التي سبقت كل الديمقراطيات الإسلامية، وكانت رائدة التحديث والتغيير.

 غاب اسم أمان الله خان القائد العلماني واختفت انجازاته وانجازات خليفته المستنير محمد ظاهر شاه،  ولم نعد نعرف افغانستان إلا من خلال الوجوه الكالحة والعمائم الغبر والهستيريا الدينية لقيادات مثل الملا عمر وحكمتيار وسياف وشاه مسعود.

خلال عقد دموي واحد تم تجريف وجه أفغانستان الحداثي وتقديم الصورة الجديدة الحصرية لامبراطورية طالبان الدائمة. 

لا يستطيع أحد ان يتخيل اليوم أن افغانستان كانت رائدة الحداثة الإسلامية الثانية بعد تركيا الكمالية.

هل يمكننا القول إن اليمن والعراق ولبنان تمشي في نفس الطريق؟؟

*جمعه "نيوزيمن" من منشورات للكاتب على صفحته في الفيسبوك