عبدالستار سيف الشميري

عبدالستار سيف الشميري

تابعنى على

تقدير موقف.. لا أحد قادر على الحسم

الأحد 17 أكتوبر 2021 الساعة 09:59 ص

لا أحد قادر على الحسم العسكري في الحرب في اليمن. هناك تساوي "إنهاك" و"توازن ضعف"، مع إصرار في الاستمرار والتبشير بالحسم الدائم الذي ليس له رصيد واقعي لأي طرف..

توازن الضعف الحالي سوف يطيل أمد الحرب، لعشر سنوات قادمة على الأرجح، فقد وصلت الحرب مرحلة مستعصية على الحل والحسم، العسكري أو السياسي، هناك حالة إخفاق في المبادرات المتوالية في إقناع إيران بأي تنازلات في الملف اليمني، أخيرا أغلق المبعوث الأمريكي والأممي ملفات السياسة واكتفوا بتصريحات ناصحة للأطراف، وذهبوا إلى ملفات إنسانية وتم إيكال فتح نافذة في الجدار السياسي إلى سلطنة عمان وموسكو التي دخلت على الملف اليمني من يومين لتجربة حظها بعد تسريبات أن دولة الكويت انضمت إلى السلطنة في جهودها، ليس هناك توقع أن يحدث هذا التشارك الجديد لموسكو في البحث عن مخرج للحرب اليمنية، جديدا يذكر لا سيما وموسكو مثقلة بعلاقة إيرانية ليس لها حدود ومصالح تتسع كل يوم.

مراكز الأبحاث..

بعض مراكز الأبحاث الغربية تناولت الوضع اليمني وأرجعت سبب عدم الوصول إلى تسوية أو انتصار طرف إلى طبيعة الحرب التي هي خليط غير متوازن من الحرب الأهلية والإقليمية والتدخلات الدولية.

فالصراع القائم في اليمن والعمليات العسكرية والمبادرات الديبلوماسية الجارية ليست تعبيرًا عن صراع داخلي مستقل قائم بذاته، وإنما يمثل وجهًا من وجوه صراع مركب متعدد الأطراف، تتداخل فيه مصالح إيرانية وأميركية وإقليمية وغيرها، كما تتداخل فيه عوامل طائفية وثقافية وسياسية وجهوية من جانب آخر.

خلاصة التوقعات..

 جولات جديدة من الحرب لكنها أقل كلفة، ومتقطعة تأخذ فترات من السكون الطويل ثم تعود على ذات الجبهات السابقة، وقد تستمر هذه الموجات من المواجهات القصيرة النفس عدة سنوات ربما تزيد عن خمس سنوات وقد تصل إلى عشر أخرى، ثم ماذا؟ على الأرجح العودة إلى نفس النقاط التي أعدت أو تعد وهي تقاسم قوى النفوذ على الأرض السلطة والثروة والجغرافيا، بشكل كونفدرالي تحت مسمى فيدرالي. وتبنى هذه الفرضية والتوقعات

 على المعطيات التالية:

أولا:

السياسة الدولية والدول العشر وفي طليعتها الولايات المتحدة ذاهبة إلى سياسة الاحتواء لإيران وليس مواجهتها وتقديم تنازلات لها في الملف اليمني وقد لا يحسم هذا الأمر إلا في آخر عام من ولاية جون بيدن أو في فترة رئاسته الثانية، بمعنى آخر سوف يكون الملف اليمني مكانا وزمانا لثمن ما يدفع لإيران مقابل ملف آخر، بمعنى أن الملف اليمني رصيد إضافي لإيران وليس خسرانا وعوضه ليس في اليمن ربما في ملف الصواريخ الإيرانية أو الملف النووي أو بلد آخر كالعراق أو غيره.

ثانيا:

التحالف خفف عمله العسكري بنسبة 50٪ ويريد مخرجا..

هذه الحرب أنهكت المملكة السعودية تحديدا وهناك دول تحاول إقناعها بالتوقف أو التخفيف والاكتفاء بحماية حدودها فقط وتفترض هذه الدول أنه يجب مساعدة المملكة وإقناعها على إغلاق الملف أو احتوائه على ما هو عليه بحيث يبقى الأمر طور التهدئة غير المعلنة وتخفيف منسوب المواجهات واكتفاء كل طرف بما هو عليه، مع عدم المواجهات في حدود المملكة مع اليمن.

ولعل الكلفة الباهظة التي تدفعها المملكة هي الدافع لهذا الاتجاه، وربما يقتصر دور المملكة وعاصفة الحزم على غطاء جوي، وترشيد الدعم العسكري إلى أقل من النصف ولعل معركة العبدية تؤيد هذا الاتجاه، والتراخي عن إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

لقد وصلت الكلفة العسكرية والمالية إلى أرقام كبيرة في ظل فساد في صرف وهدر هذه المصروفات الهائلة، حيث وصلت الكلفة على المملكة وحدها خلال السنوات الماضية للحرب اليمنية ومستلزمات الدعم المختلف إلى أكثر من 150 مليار دولار حتى الآن، وفق بعض التقارير. وهي في تصاعد متزايد ومستمر، بينما لم تستطع إعادة الشرعية والرئيس إلى اليمن، وتوسعت الخارطة الجغرافية للحوثي عما كانت عليه قبل سنة ونصف بمساحة جغرافية تزيد عن عشرة آلاف كيلو متر بعضها ذو أهمية عسكرية بالغة الخطورة، كما أن رمزية الدولة وعاصمتها صنعاء بيدهم والميناء الأهم الحديدة كذلك أما مأرب فإنها على خطر عظيم.

وهذه الكلفة الباهظة دون تقدم على الأرض هو السبب الرئيس للذهاب لحالة التوقف وحالة الحرب واللاحرب، وتأجيل أمد المعركة إلى غير مسمى..

 ثالثا:

إخفاق الملف الإنساني..

الملف الإنساني كان المتوقع أن يكون هو الضاغط الوحيد.. في ظل توازن الضعف وانحسار الأمل في أفق سياسي قريب محتمل وأن يبقى الشق الإنساني هو الباب المفتوح الأخير لجهود وقف الحرب، ولكن هذا الملف بطبيعته يدخل في إطار العمل تحت بند النوايا الحسنة والجهود الإنسانية وليس تحت البند السابع وخلافه. ويبقى زعيق المنظمات خافتا أمام ضجيج السياسة ولغة المصالح ودبلوماسية المقايضات.

ورغم فظاعة هذا الملف ودمويته إلا أنه لم يشكل أداة ضغط تعمل على توقف الحرب، رغم أنه يؤرق العالم خاصة بعد أن كشفت بعض المنظمات أن كل الإحصائيات السابقة لجرحى الحرب والمعاقين والنازحين هي أرقام كبيرة وأن كل الرصد السابق مجافي الواقع، وأن الأعداد أكثر بكثير مما هو مطروح في بساط الأمم المتحدة وأجهزتها الإنسانية، وأن هذا الملف سوف يكلف الأمم المتحدة إرهاقا أخلاقيا وماليا كبيرا لعشرين عاما قادمة بعد انتهاء الحرب والتي يجب أن تتوقف بأي شكل ومهما كانت الطريقة، فالوضع الإنساني لا يحتمل، ورغم أن هذا الملف وازناََ أمام معادلة توازن الضعف ولعبة المصالح الدولية والإقليمية إلا أن هذا التوازن لا يمنحه قوة كافية لإيقاف الحرب، لأنه ببساطة ليس له دول محورية تقف كي تجعل منه إجراء محتملا وتستطيع أن توصله إلى التنفيذ خاصة وأن روسيا والصين قد تم استغراقهما تماما في المصالح الإيرانية الاقتصادية والعسكرية ومع سياسة الاحتواء الأمريكي والانهاك السعودي يصبح اليمن مرهونًا برسم الحسابات والصراعات الإقليمية والدولية، لذلك هناك تجديد حضور للحرب، لكن دون مواجهات ذات كلفة عالية. فلم يعد الجميع قادرا على دفع تلك الكلف الكبيرة.

 أنها حالة جمود على تموضعات كل طرف في مكانه وأحيانا مواجهات عارضة تختفي ويكون التوقف لفترات طويلة على معظم الجبهات الممتدة والتي تزيد عن سبعين جبهة على أقل تقدير.

خلاصة القول:

يمكن تقدير الموقف وتوصيف الأمر اختصارا على النحو الآتي:

أولا:

هناك حالة جمود وتوقف للحرب عدا جبهات قليلة منه، يمكن أن نطلق على هذه الحالة حالة من الحرب واللاحرب. لسنوات طويلة قادمة..

ثانيا: الجانب السياسي

هناك صولات وجولات ومحاولات ومسودات واقتراحات للتهدئة واقتراح خطوط عريضة للحل دون الوصول إلى حل سياسي يفضي إلى حل وتوافق رغم الضجيج الكبير في التصريحات والوعود ولن يكون شيء من ذلك في القريب، ذلك أن الأفق السياسي مشدودا ومسدودا، وأن المسودات المقترحة لا تزال قيد البسط والطرح والقسمة، ويبدو السلام المنشود بعيدًا.

تتعدد الأسباب الداخلية لذلك لكن يبقى الأمر الخارجي وتداخلاته هو العامل الحاسم في ذلك كله.

وأخيرا: 

كل ذلك الاستعصاء لمعضلتنا في اليمن يستدعي نضالا جمعيا جديدا وجهودا شعبية كي لا يبقى الأمر مفتوحا على المجهول واللانهاية، وذلك ما سنحاول الحديث عنه  قادم الأيام..