عودة حذرة للملاحة في البحر الأحمر.. توازن بين خفض التكاليف وهواجس الأمن
السياسية - منذ ساعة و 21 دقيقة
الحديدة، نيوزيمن:
تشير مؤشرات سوق النقل البحري العالمي إلى بداية عودة تدريجية لبعض خطوط الشحن إلى الإبحار عبر البحر الأحمر، في تحول يعكس إعادة تقييم محسوبة للمخاطر بعد أشهر من اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة التحويلات عبر طرق بديلة أطول.
غير أن هذه العودة لا تعني انتهاء حالة الترقب، بل تؤكد أن القطاع البحري يتحرك بعقلية إدارة مخاطر صارمة، توازن بين الجدوى الاقتصادية ومتطلبات السلامة في واحد من أهم الممرات التجارية في العالم.
ووفق تقرير نشره موقع S&P Global المتخصص في تحليل الأسواق وسلاسل الإمداد، فإن استئناف بعض الرحلات عبر هذا الممر قد يسهم نظرياً في تقليص تكاليف الشحن وخفض مدد العبور مقارنة بالالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. إلا أن التقرير شدد على أن قرارات التشغيل لا تزال محكومة بحسابات أمنية دقيقة، في ظل استمرار حالة عدم اليقين الإقليمي.
وأعادت شركة CMA CGM تشغيل جزء من خدماتها عبر البحر الأحمر، لكنها أبقت في الوقت ذاته مسارات بديلة لعدد من سفنها عبر الطريق الأطول حول أفريقيا. ويعكس هذا التوجه سياسة توزيع المخاطر، بحيث تستفيد الشركة من تقليص المسافة والكلفة دون الانكشاف الكامل لأي تطورات مفاجئة.
ويرى محللون أن هذه الاستراتيجية المرحلية قد تتحول إلى نموذج تتبعه شركات أخرى، خاصة في ظل التقلبات الجيوسياسية التي دفعت كبرى الخطوط الملاحية خلال الفترة الماضية إلى تعديل جداولها ورفع أقساط التأمين البحري، ما انعكس على أسعار الشحن عالمياً.
بالتوازي مع هذه العودة الجزئية، أعلنت مصر تدشين منشأة شبه آلية جديدة في ميناء السخنة، في خطوة تهدف إلى رفع كفاءة العمليات اللوجستية وتعزيز القدرة الاستيعابية، بما يدعم حركة العبور عبر قناة السويس. وتراهن القاهرة على أن تسهم هذه التحديثات في استعادة جزء من الحركة التي تأثرت بفعل التوترات الأمنية، وسط منافسة متزايدة من المسارات البديلة.
وتكشف تقارير متخصصة، بينها ما نشرته مجلة Container News، أن شركات الشحن باتت تعتمد مقاربة أكثر تحفظاً، تقوم على اختبارات تشغيلية محدودة، واستخدام سفن أصغر، وتوظيف تقنيات تتبع متقدمة، مع مرونة في الجداول الزمنية للتكيف مع أي طارئ أمني.
هذا التحول يعكس دروس السنوات الأخيرة، حيث تكبدت بعض الشركات خسائر نتيجة قرارات تشغيلية متسرعة في بيئات مضطربة. وباتت اعتبارات مثل كلفة التأمين، وأسعار الوقود، واستقرار الجداول الزمنية، عناصر حاسمة في قرار العودة.
ورغم التحسن النسبي، لا تزال المخاوف الأمنية حاضرة في حسابات المشغلين، في ظل تقارير عن استمرار تهديدات محتملة للسفن التجارية في حال انهيار التهدئة القائمة. وتبقى أي تطورات ميدانية في المناطق المطلة على البحر الأحمر عاملاً مؤثراً في قرارات شركات الملاحة، التي تضع سيناريوهات الطوارئ ضمن خططها اليومية.
ولا تبدو العودة إلى البحر الأحمر تحولاً جذرياً بقدر ما هي خطوة محسوبة تعكس توازناً بين تقليل النفقات وتحسين زمن التسليم من جهة، وتفادي المخاطر غير المتوقعة من جهة أخرى. وبين الأمن والاقتصاد، يبقى هذا الممر الاستراتيجي ساحة تتقاطع فيها الحسابات التجارية مع التعقيدات الجيوسياسية، فيما يراقب العالم مسار التعافي البحري بوصفه مؤشراً حساساً على استقرار التجارة الدولية في المرحلة المقبلة.
>
