الغاز المفقود في تعز.. اتهامات بالتهريب وشبكات تستنزف حصص المحافظة

السياسية - منذ ساعة
تعز، نيوزيمن، خاص:

في مدينة تعز، لم يعد الحصول على أسطوانة الغاز المنزلي مجرد خدمة أساسية، بل تحوّل إلى رحلة يومية شاقة تُثقل كاهل السكان وتضاعف معاناتهم، في ظل أزمة متفاقمة تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية والإدارية والسياسية. ومع التدهور المستمر في مستوى الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، باتت أزمة الغاز تمس تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، من الطهي المنزلي إلى وسائل النقل، لتتحول إلى واحدة من أبرز مؤشرات الانهيار الخدمي في المحافظة.

وتكشف المؤشرات الميدانية عن نمط مقلق لتكرار أزمة الغاز بين المحافظات اليمنية، حيث تختفي الاختناقات في منطقة لتظهر في أخرى، في دورة توحي بوجود خلل بنيوي في منظومة التوزيع، أو حتى ممارسات منظمة لإعادة توجيه الإمدادات. 

وفي هذا السياق، تتصاعد اتهامات بتهريب كميات من الغاز إلى مناطق سيطرة الحوثيين، في ظل غياب رقابة صارمة أو إجراءات رادعة تحد من هذا النزيف المستمر.

كما تشير مصادر محلية إلى انتشار ما يُعرف بـ"المحطات الوهمية" داخل تعز، وهي نقاط غير رسمية تستحوذ على حصص مخصصة للمحافظة قبل أن تُعاد ضخها في السوق بطرق غير قانونية، أو تُنقل إلى خارج المحافظة. هذا الواقع يعكس، بحسب مراقبين، شبكة معقدة من المصالح التي تستفيد من الأزمة، وتغذي السوق السوداء على حساب احتياجات المواطنين.

ورغم أن الحصة اليومية المعتمدة لتعز تُقدّر بسبع مقطورات، إلا أن الكميات التي تصل فعليًا لا تفي بالطلب، ما أدى إلى تفاقم الأزمة وخلق طوابير طويلة أمام محطات التعبئة، خصوصًا في ظل اعتماد شريحة واسعة من السكان على الغاز كمصدر رئيسي للطاقة.

احتجاجات غاضبة وشلل في النقل

الغضب الشعبي لم يبقَ حبيس الشكوى، بل تُرجم إلى تحركات ميدانية، حيث نفّذ العشرات من سائقي الباصات وقفات احتجاجية، تنديدًا باستمرار الأزمة وتراجع الإمدادات. ورفع المحتجون شعارات تطالب بالعدالة في التوزيع، وتوفير الحصة الكاملة للمحافظة، مؤكدين أن شح الغاز يهدد مصدر رزقهم ويؤدي إلى شلل تدريجي في قطاع النقل الداخلي.

وأشار المشاركون إلى أن الكميات التي كانت تُخصص سابقًا، والتي وصلت إلى 13 مقطورة يوميًا، تراجعت بشكل ملحوظ إلى ما بين خمس وست مقطورات فقط، ما أدى إلى اختناقات حادة في السوق، وارتفاع غير مباشر في تكاليف النقل، وانعكاس ذلك على أسعار السلع والخدمات.

>> أزمة غاز في تعز وسط اتهامات بوجود أزمة مفتعلة

ويحذر سائقون من أن استمرار هذا الوضع قد يدفع العديد منهم إلى التوقف عن العمل، ما سيؤدي إلى تفاقم أزمة التنقل داخل المدينة، ويزيد من الأعباء على المواطنين في ظل غياب بدائل فعالة.

في مواجهة هذا التصعيد، تحركت السلطة المحلية في محاولة لاحتواء الأزمة، حيث أجرى محافظ تعز نبيل شمسان اتصالًا مع المدير التنفيذي للشركة اليمنية للغاز المهندس محسن وهيط، جرى خلاله بحث أسباب الاختناقات وسبل معالجتها.

وأكدت الشركة أنها ستبدأ بإرسال كميات إضافية من الغاز إلى المحافظة، ابتداءً من اليوم التالي، بهدف تقليص العجز وتحقيق استقرار نسبي في الإمدادات. كما شدد المحافظ على ضرورة مراجعة الحصص المخصصة لتعز بما يتناسب مع كثافتها السكانية واحتياجاتها المتزايدة.

ورغم هذه الوعود، يبقى الشارع في حالة ترقب، في ظل تجارب سابقة لم تُفضِ إلى حلول مستدامة، ما يضع الجهات المعنية أمام اختبار حقيقي لاستعادة الثقة وضمان استمرارية الإمدادات.

فساد منظم يفاقم الأزمة

في موازاة ذلك، تتصاعد الاتهامات بوجود فساد منظم يقف خلف تفاقم الأزمة، حيث كشف الصحفي مرزوق ياسين عن تفاصيل تشير إلى أن الفارق الكبير بين سعر الغاز محليًا وعالميًا خلق بيئة خصبة للتلاعب بالكميات.

وأوضح أن سعر طن الغاز في شركة "صافر" يبلغ نحو 307 آلاف ريال، بينما يتجاوز السعر العالمي 800 ألف ريال، ما يخلق فارقًا يصل إلى نصف مليون ريال للطن الواحد، ونحو 13 مليون ريال في المقطورة، وهو ما يشجع – بحسب وصفه – على استقطاع حصص المحافظات وتوجيهها إلى أسواق أكثر ربحًا، بما في ذلك مناطق سيطرة الحوثيين.

وأشار إلى أن حصة تعز تعرضت لاقتطاع ممنهج، حيث انخفضت من نحو 10 مقطورات يوميًا إلى خمس فقط، في ظل غياب رقابة فعلية، وعدم استجابة الجهات المعنية في مأرب للمذكرات الرسمية الصادرة عن السلطة المحلية ووزارة النفط.

ويرى مراقبون أن هذا الواقع يعكس أزمة حوكمة عميقة في إدارة الموارد، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الانقسامات السياسية، ما يعرقل أي جهود للإصلاح.

وتبدو أزمة الغاز في تعز مرشحة للاستمرار، في غياب حلول جذرية تعالج الأسباب الحقيقية للاختناقات، سواء على مستوى التوزيع أو الرقابة أو السياسات الاقتصادية. ويؤكد مراقبون أن استمرار الأزمة سيدفع المزيد من الأسر إلى اللجوء لبدائل بدائية مثل الحطب، بما يحمله ذلك من آثار بيئية وصحية، كما سيؤدي إلى مزيد من التدهور في مستوى المعيشة، خاصة للفئات الأكثر هشاشة.

وبين وعود المعالجة وواقع الاختناقات، تبقى تعز نموذجًا لأزمة خدمية مركبة، تتطلب تدخلًا عاجلًا وشاملًا يعيد ضبط منظومة التوزيع، ويكافح الفساد، ويضمن وصول الغاز إلى مستحقيه، قبل أن تتحول الأزمة إلى انفجار اجتماعي أوسع.