عدن تحتفي بالبردوني وتعيد قراءة إرثه الشعري والفكري

السياسية - منذ ساعة و 3 دقائق
عدن، نيوزيمن:

لم يكن الاحتفاء الذي شهدته العاصمة اليمنية عدن بالشاعر الراحل عبدالله البردوني مجرد فعالية ثقافية عابرة، بل بدا وكأنه محاولة يمنية وعربية لاستعادة واحد من أكثر الأصوات الشعرية والفكرية حضورًا وتأثيرًا في التاريخ الثقافي الحديث لليمن.

فالندوة الوطنية التي نظمتها اللجنة الوطنية اليمنية للتربية والثقافة والعلوم بدعم من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، أعادت فتح النقاش حول مكانة البردوني، ليس بوصفه شاعرًا يمنيًا فحسب، بل باعتباره مشروعًا فكريًا ونقديًا متكاملًا استطاع أن يحوّل الشعر إلى أداة لفهم المجتمع والتاريخ والسياسة والهوية.

الفعالية التي اختتمت الخميس عكست الحضور المتجدد للبردوني بوصفه أحد أبرز الأصوات الشعرية والفكرية في اليمن والعالم العربي. وشهدت الندوة، التي استمرت يومين، مشاركة واسعة لنخبة من الأدباء والشعراء والأكاديميين والباحثين، بلغ عددهم خمسةً وعشرين مشاركاً يمثلون مؤسسات ثقافية وأكاديمية متعددة، حيث توزعت أعمالها ضمن برنامج علمي ونقدي متكامل تناول التجربة الشعرية والفكرية للبردوني من زوايا متعددة، بما في ذلك أبعادها الرمزية والإنسانية والسياسية، ودورها في تشكيل الوعي الأدبي العربي الحديث.

غير أن الندوة لم تكن مجرد مناسبة لاستذكار شاعر راحل، بل بدت كأنها محاولة يمنية وعربية لإعادة تقديم البردوني باعتباره مشروعاً ثقافياً وفكرياً متجدداً، لا يزال قادراً على قراءة التحولات الراهنة رغم مرور سنوات طويلة على رحيله.

ويرى مشاركون أن تخصيص الدورة الثانية عشرة من اليوم العربي للشعر للاحتفاء بالبردوني يعكس تحولاً متنامياً في النظرة إلى تجربته، من شاعر يمني محلي إلى رمز ثقافي عربي يمتلك مشروعاً نقدياً وفكرياً سبق عصره، خصوصاً في قراءته المبكرة للتحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية في اليمن والمنطقة.

ويمثل عبدالله البردوني في الوعي الثقافي اليمني والعربي حالة استثنائية؛ إذ لم يكن مجرد شاعر تقليدي منشغل باللغة والصور البلاغية، بل مفكرًا وناقدًا استطاع تحويل الشعر إلى مساحة لفهم المجتمع والسياسة والهوية والتاريخ.

ورغم فقدانه البصر في طفولته، تمكن البردوني من صناعة حضور استثنائي جعله واحدًا من أكثر الشعراء العرب تأثيرًا في القرن العشرين، حتى بات يُنظر إليه باعتباره “ضمير اليمن الثقافي”، وصوتًا حمل هموم الإنسان اليمني والعربي بلغة شعرية جمعت بين الأصالة والحداثة.

ويأتي هذا الاحتفاء في وقت يعيش فيه اليمن واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا بفعل الحرب والانقسام والتراجع الثقافي، ما منح الندوة أبعادًا تتجاوز الطابع الأدبي، لتتحول إلى رسالة ثقافية تؤكد أهمية استعادة الرموز الفكرية القادرة على توحيد الذاكرة الوطنية.

وأكدت الأمين العام للجنة الوطنية الدكتورة حفيظة صالح الشيخ أن استعادة صوت البردوني تمثل استعادة لقيم فكرية وإنسانية عميقة، مشيرة إلى أن الاحتفاء به لا يقتصر على تخليد منجزه الأدبي، بل يمتد إلى استلهام رؤاه في مواجهة التحديات الراهنة التي يعيشها اليمن والعالم العربي.

وأضافت أن الحفاظ على الإرث الثقافي اليمني يتطلب تكاملًا وطنيًا وعربيًا يضمن حضوره الفاعل في المشهد الثقافي الدولي، مثمنةً دعم “الألكسو” ومشاركة الباحثين والأكاديميين الذين أسهموا في إنجاح الفعالية.

من جانبه، أوضح الدكتور المصطفى الحمادي أن الندوة جاءت ضمن فعاليات الدورة الثانية عشرة لليوم العربي للشعر، والتي خُصصت هذا العام للاحتفاء بالبردوني تنفيذًا لتوصيات مؤتمر المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي.

وأشار الحمادي إلى أن اختيار عدد من الأوراق البحثية لإصدارها في كتيب علمي محكّم يعكس توجهاً عربياً نحو توثيق تجربة البردوني وإتاحتها للباحثين والمهتمين، بما يسهم في تعزيز حضوره داخل الدراسات الأدبية والنقدية المعاصرة.

ويعتبر نقاد أن هذه الخطوة تمثل محاولة جادة لإعادة إدماج الأدب اليمني في الفضاء الثقافي العربي، خصوصًا بعد سنوات من التراجع الثقافي الذي فرضته الحرب والأزمات على الحركة الفكرية والإبداعية في البلاد.

وتضمنت جلسات الندوة نقاشات نقدية معمقة للأوراق البحثية المقدمة، إلى جانب معرض صور وثّق محطات من حياة البردوني ومسيرته الأدبية والفكرية، فيما ركزت بعض الدراسات على البعد السيري والرمزي في أعماله، وعلى لغته الشعرية التي جمعت بين الحداثة والارتباط العميق بالهوية اليمنية.

ويرى متابعون أن استمرار الاهتمام العربي بالبردوني يعكس مكانته كأحد أهم شعراء الحداثة العربية، إذ لم يكن شاعرًا تقليديًا بقدر ما كان صاحب رؤية نقدية استثنائية، استطاع من خلالها توظيف الشعر كأداة لقراءة الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي.

كما يؤكد باحثون أن تجربة البردوني ما تزال تحتفظ براهنيتها حتى اليوم، بسبب قدرته على استشراف أزمات اليمن وتحولاته، وهو ما جعل الكثير من نصوصه تبدو وكأنها كُتبت لقراءة الحاضر لا الماضي.

واختُتمت الندوة بجملة من التوصيات، أبرزها جمع كافة أوراق العمل المقدمة في كتيب علمي خاص سيصدر عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، بما يسهم في توثيق مخرجات الندوة وترسيخ مكانة عبدالله البردوني كأحد أعمدة الشعر العربي الحديث، وصوت ثقافي ما يزال حاضرًا بقوة في الوعي الأدبي العربي.