كهرباء تعز في قبضة المتنفذين.. اعتراف حكومي يكشف نفوذ مافيا الطاقة
السياسية - منذ 58 دقيقة
تعز، نيوزيمن، خاص:
فتح إقرار وزير الكهرباء والطاقة عدنان الكاف بشأن خروج قطاع الكهرباء التجارية في مدينة تعز عن سيطرة الدولة، الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات، بعدما كشف بصورة غير مسبوقة حجم النفوذ الذي بات يتحكم بواحد من أهم القطاعات الخدمية في المدينة، وسط اتهامات متصاعدة بوجود شبكة مصالح مرتبطة بقيادات نافذة داخل سلطة الأمر الواقع التابعة لحزب الإصلاح "الإخوان المسلمين" في المحافظة.
وقال الوزير، في تصريحات صحفية، إن الكهرباء التجارية في تعز تدار فعلياً من قبل متنفذين يتقاسمون مناطق التوزيع والنفوذ داخل المدينة، في اعتراف اعتبره مراقبون دليلاً واضحاً على غياب الدولة وعجز مؤسساتها عن إدارة ملف خدمي تحول إلى سوق احتكار مفتوح يدر مليارات الريالات على ملاك المحطات الخاصة.
وأكد الكاف أن أسعار الكهرباء وصلت إلى مستويات قياسية، حيث بلغ سعر الكيلوواط الواحد نحو ألف ريال، الأمر الذي فاقم من معاناة السكان في مدينة تعيش واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والإنسانية في البلاد.
ويرى مراقبون أن تصريحات الوزير لم تكشف جديداً بالنسبة لسكان تعز، لكنها مثّلت للمرة الأولى اعترافاً حكومياً مباشراً بأن قطاع الكهرباء خرج بالكامل من قبضة الدولة، وأصبح خاضعاً لنفوذ مراكز قوى مالية وعسكرية وسياسية تتحكم بالخدمة بعيداً عن أي رقابة حقيقية.
جني المليارات وفشل السلطة
وجاءت تصريحات الوزير بالتزامن مع فشل السلطة المحلية في تنفيذ قرار خفض تسعيرة الكهرباء التجارية، بعد أن رفض ملاك المحطات الالتزام بالتسعيرة الجديدة واستمروا في رفع الأسعار وفرض رسوم إضافية تحت مبررات مختلفة.
وكانت السلطة المحلية قد أعلنت اعتماد تسعيرة جديدة للكهرباء التجارية، تضمنت تحديد سعر الكيلوواط المنتج عبر مولدات الديزل بـ900 ريال، و750 ريالاً لنظام "الهايبرد"، مع إلغاء رسوم الاشتراك الشهري ومنع تحصيل أي مبالغ إضافية.
غير أن تلك القرارات بقيت حبراً على ورق، إذ تجاهلتها المحطات التجارية بشكل كامل، في مشهد وصفه ناشطون بأنه يعكس انهيار هيبة السلطة المحلية وعجزها عن فرض أي قرارات على ملاك المحطات النافذين.
ولم يقتصر الأمر على رفض الالتزام بالتسعيرة، بل اتجه بعض ملاك المحطات إلى رفع الأسعار مجدداً لتصل إلى 1400 ريال للكيلوواط الواحد، في تحدٍ علني للسلطة المحلية وقراراتها.
ويرى متابعون أن هذا التحدي يكشف حجم المصالح المتشابكة داخل قطاع الكهرباء، خصوصاً مع الحديث عن ارتباط بعض ملاك المحطات بقيادات عسكرية وأمنية وشخصيات نافذة داخل السلطة المحلية.
وفي تحليل موسع للأزمة نشرها في وقت سابق الأكاديمي ورئيس قسم هندسة الطاقة المتجددة بجامعة تعز، الدكتور مختار العمراني، كشف عن أرقام صادمة تتعلق بحجم الأرباح التي تحققها محطات الكهرباء التجارية في المدينة.
وأوضح العمراني أن أربع شركات فقط تتقاسم سوق الكهرباء في تعز، عبر نحو 60 ألف عداد موزعة على مديريات المدينة، وتحقق أرباحاً سنوية تقدر بحوالي 25 مليار ريال، في ظل غياب أي رقابة حكومية حقيقية. وأشار إلى أن سعر بيع الكهرباء في تعز يفوق السعر العالمي بأكثر من خمسة أضعاف، رغم أن تكلفة الإنتاج الفعلية أقل بكثير مما يتم تحصيله من المواطنين.
وبحسب الدراسة، فإن تكلفة إنتاج الكيلوواط الواحد، حتى مع احتساب الوقود والصيانة والفواقد التشغيلية، لا تتجاوز بين 400 و500 ريال، بينما يتم بيعه للمواطن بألف ريال للمنازل و1200 ريال للمحال التجارية، إلى جانب رسوم اشتراك شهرية ورسوم تركيب العدادات.
وأكد العمراني أن بعض المحطات تحقق أرباحاً شهرية تتجاوز نصف مليار ريال، في وقت يعيش فيه سكان تعز أوضاعاً معيشية خانقة وانهياراً اقتصادياً غير مسبوق. ووصف ما يجري بأنه "نهب منظم" يتم على مرأى ومسمع من السلطات، معتبراً أن تعز أصبحت المحافظة الوحيدة في المناطق المحررة التي لا تمتلك كهرباء حكومية ولا شبكة عامة تديرها الدولة.

أزمة مفتعلة أم فشل إداري؟
ويرى محللون أن أزمة الكهرباء في تعز لم تعد مجرد أزمة خدمية مرتبطة بالحرب أو نقص الإمكانيات، بل تحولت إلى ملف معقد تحكمه المصالح الاقتصادية ومراكز النفوذ.
ويتهم ناشطون السلطة المحلية بالتقاعس عن تشغيل محطة كهرباء عصيفرة الحكومية رغم توفر إمكانية إعادة تأهيلها، إضافة إلى الفشل في استغلال المنحة السعودية بصورة فعالة لإعادة الكهرباء الحكومية إلى المدينة.
كما تواجه السلطة انتقادات واسعة بسبب السماح لملاك المحطات التجارية بالسيطرة على الشبكة الكهربائية وتقاسم مناطق النفوذ داخل المدينة، دون وجود إطار تنظيمي واضح أو عقود شفافة تنظم العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص.
ويقول مراقبون إن استمرار الأزمة طوال السنوات الماضية دون حلول حقيقية يعزز الشكوك بشأن وجود مصالح متبادلة بين بعض المسؤولين وملاك المحطات التجارية، خصوصاً مع الحديث عن حصول نافذين على نسب مالية وعوائد مباشرة من قطاع الكهرباء.
وفي ظل غياب الكهرباء الحكومية، أصبح سكان تعز يعتمدون بشكل شبه كامل على الكهرباء التجارية والطاقة الشمسية، وسط شكاوى متزايدة من الارتفاع الجنوني للأسعار مقارنة بمستوى دخل السكان.
ويؤكد أصحاب المحال التجارية والورش والمصانع الصغيرة أن فواتير الكهرباء أصبحت تستنزف الجزء الأكبر من دخلهم، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات في المدينة.
ويرى الكاتب مطيع سعيد المخلافي أن أزمة الكهرباء في مدينة تعز لم تعد مجرد مشكلة خدمية مرتبطة بظروف الحرب أو نقص الموارد، بل تحولت إلى نموذج واضح لهيمنة شبكات المصالح الخاصة على قطاع حيوي يفترض أن يخضع لإدارة الدولة ورقابتها.
ويؤكد أن ما يجري على أرض الواقع يكشف عن تفكك فعلي لمؤسسات القطاع الكهربائي، بعد أن أصبح التشغيل والتسعير والتوزيع بيد محطات تجارية يديرها نافذون يمتلكون القدرة على فرض الأمر الواقع بعيداً عن أي إطار قانوني منظم.
ويضيف أن استمرار هذا الوضع يعكس حالة عجز مؤسسي عميق لدى السلطة المحلية، التي اكتفت بإصدار قرارات وتسعيرات لا تجد طريقها للتنفيذ، في ظل نفوذ متزايد لملاك المحطات الذين يفرضون أسعاراً مرتفعة ورسومًا إضافية تثقل كاهل المواطنين. ويشير إلى أن هذا الواقع لا يعكس فقط خللاً إدارياً، بل يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة العلاقة بين السلطة وبعض مراكز النفوذ الاقتصادي، التي باتت تتحكم في خدمات أساسية تمس حياة الناس اليومية.
ويخلص المخلافي إلى أن معالجة أزمة الكهرباء في تعز لا يمكن أن تتم عبر حلول جزئية أو تسعيرات مؤقتة، بل تتطلب استعادة الدولة لدورها الكامل في إدارة هذا القطاع، وإعادة بناء منظومة كهرباء حكومية قادرة على كسر الاحتكار، وضمان وصول الخدمة للمواطنين باعتبارها حقاً عاماً لا مجال لتحويله إلى مصدر للربح غير المنضبط.
دعوات لاستعادة القطاع للدولة
ويرى مراقبون وخبراء اقتصاديون أن استمرار الوضع الحالي يفاقم من حالة الانهيار الاقتصادي ويزيد من الأعباء المعيشية على السكان، في وقت تعاني فيه تعز من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة. كما أن غياب أي حلول جذرية قد يدفع المدينة نحو مزيد من الفوضى الخدمية، خصوصاً مع تنامي الغضب الشعبي تجاه ما يعتبره السكان "احتكاراً منظماً" للكهرباء من قبل نافذين يحققون ثروات طائلة على حساب معاناتهم اليومية.
في المقابل، تتصاعد الدعوات الشعبية والحقوقية المطالبة بإعادة تشغيل الكهرباء الحكومية واستعادة الدولة سيطرتها على الشبكة الكهربائية وإنهاء احتكار القطاع من قبل المتنفذين.
ويؤكد ناشطون أن أي معالجة حقيقية للأزمة يجب أن تبدأ بإعادة تأهيل محطة عصيفرة وتشغيلها، وإخضاع قطاع الكهرباء لرقابة حكومية شفافة، وإنهاء حالة التقاسم والنفوذ التي تحكم هذا الملف الحيوي.
كما يرى مراقبون أن اعتراف وزير الكهرباء بخروج القطاع عن سيطرة الدولة يمثل إقراراً خطيراً بفشل السلطة المحلية والحكومة في إدارة أحد أهم الملفات الخدمية، ويكشف في الوقت نفسه حجم النفوذ الذي باتت تمتلكه شبكات المصالح داخل مدينة أنهكتها الحرب والحصار والأزمات المتراكمة.
>
