الكتلة الإسلامية.. بوابة جديدة لـ"الإخوان" للعودة لحكم السوادان
العالم - منذ ساعة و 48 دقيقة
الخرطوم، نيوزيمن:
في محاولة جديدة لإعادة تدوير مشروعه السياسي بعد سنوات من السقوط والعزلة، يعكف تنظيم الإخوان المسلمين في السودان على إطلاق كيان جديد تحت مسمى "الكتلة الإسلامية"، في خطوة يراها مراقبون امتداداً لنهج طالما اعتمده التنظيم لتغيير واجهاته السياسية كلما واجه أزمات وجودية أو ضغوطاً داخلية وخارجية متصاعدة.
وتأتي هذه التحركات في وقت يواجه فيه التنظيم واحدة من أصعب مراحله منذ تأسيسه قبل نحو ثمانية عقود، خاصة بعد تصنيفه جماعة إرهابية في مارس 2026، وما ترتب على ذلك من تضييق سياسي وقانوني متزايد، فضلاً عن استمرار الرفض الشعبي الواسع لعودته إلى المشهد عقب سقوط نظامه في أبريل 2019.
وكشفت تقارير وتحليلات سياسية عن اتصالات مكثفة تجريها قيادات إخوانية مع أحزاب وتنظيمات ذات مرجعية دينية، إضافة إلى بعض الطرق الصوفية والإدارات الأهلية، بهدف تشكيل تحالف واسع يحمل اسم "الكتلة الإسلامية"، عبر إنشاء مجلس تنسيق أعلى وأمانة عامة ولجان متخصصة تتولى إدارة العمل السياسي والتنظيمي المشترك.
ويرى مراقبون أن الهدف الحقيقي من هذه التحركات لا يقتصر على توحيد التيارات الإسلامية، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة توفير حاضنة سياسية جديدة لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، تمهيداً لإعادة إنتاج نفوذ الإخوان داخل مؤسسات الدولة بعد استبعادهم من المبادرات السياسية الإقليمية والدولية التي سعت إلى معالجة الأزمة السودانية خلال السنوات الماضية.
وتعزز هذه القراءة تصريحات البرهان الأخيرة التي هاجم فيها المبادرات الخارجية ودعا إلى ما وصفه بـ"الحوار الوطني الداخلي"، وهي الدعوات التي قوبلت بانتقادات واسعة من قوى مدنية وسياسية اعتبرت أنها تمهد لترسيخ سلطة العسكر وإعادة تمكين الإسلاميين من مفاصل الحكم تحت مسميات مختلفة.
وتزامنت هذه التحركات مع دعوات أطلقتها شخصيات محسوبة على المعسكر المؤيد للجيش لترشيح البرهان لرئاسة السودان عبر انتخابات خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما اعتبرته قوى سياسية محاولة لإعادة إنتاج تجربة الرئيس المعزول عمر البشير، ولكن بأدوات وأسماء جديدة.
تغيير الأسماء.. استراتيجية قديمة
ومنذ نشأته، اعتمد تنظيم الإخوان المسلمين في السودان على سياسة تغيير الأسماء والواجهات السياسية كلما واجه أزمات أو فقداناً للشرعية الشعبية. فالتنظيم الذي بدأ تحت اسم "الإخوان المسلمين" انتقل لاحقاً إلى "جبهة الميثاق الإسلامي"، ثم "الجبهة الإسلامية القومية"، وبعدها "المؤتمر الوطني" الذي حكم السودان لثلاثة عقود قبل سقوطه عام 2019.
وعقب الإطاحة بنظام البشير، حاول التنظيم العودة عبر واجهات أخرى كان أبرزها "التيار الإسلامي العريض"، قبل أن يطرح اليوم مشروع "الكتلة الإسلامية" باعتباره أحدث محاولة لإعادة التموضع السياسي.
ويرى منتقدو التنظيم أن هذه التغييرات المتكررة لم تكن سوى محاولات للالتفاف على الرفض الشعبي وتجاوز الإرث الثقيل الذي خلفته سنوات حكمه، والتي ارتبطت بالعزلة الدولية والأزمات الاقتصادية والصراعات الداخلية.
ورغم الجهود المبذولة لإطلاق الكيان الجديد، إلا أن مراقبين يشككون في فرص نجاحه، خاصة في ظل التحولات التي شهدها السودان والمنطقة خلال السنوات الأخيرة.
فمنذ اندلاع الثورة السودانية، تشكلت قناعة واسعة لدى قطاعات كبيرة من الشارع السوداني بضرورة عدم السماح بعودة القوى التي ارتبطت بالنظام السابق، في وقت تواجه فيه قيادات إسلامية مطالبات بالمحاسبة على ملفات تتعلق بالفساد والانتهاكات وجرائم الحرب.
كما أن التصنيف الإرهابي الأخير للتنظيم زاد من تعقيد المشهد، وأضعف فرص حصوله على أي قبول إقليمي أو دولي، في وقت تتجه فيه العديد من الدول إلى تشديد الرقابة على الجماعات المرتبطة بالإسلام السياسي والتنظيمات العابرة للحدود.
ويؤكد محللون أن البيئة السياسية التي سمحت للإخوان سابقاً بإعادة تقديم أنفسهم بأسماء مختلفة لم تعد موجودة اليوم، وأن الوعي الشعبي بطبيعة هذه المناورات السياسية أصبح أكبر من أي وقت مضى.
مخاوف من إعادة إنتاج الأزمة
وتثير محاولات تشكيل "الكتلة الإسلامية" مخاوف متزايدة لدى قطاعات سياسية ومدنية من أن تكون الخطوة مقدمة لإعادة بناء الشبكات السياسية والاقتصادية والأمنية المرتبطة بالتنظيم، الأمر الذي قد يعيد السودان إلى دائرة الاستقطاب والعزلة الدولية التي عانى منها لسنوات طويلة.
وتزداد هذه المخاوف في ظل اتهامات متكررة طالت مجموعات مرتبطة بالتنظيم خلال الحرب الدائرة منذ أبريل 2023، فضلاً عن تقارير تحدثت عن ارتباط بعض المجموعات المسلحة المحسوبة عليه بانتهاكات ضد المدنيين.
ويرى معارضون أن السودان يحتاج اليوم إلى مشروع وطني جامع يعالج آثار الحرب والانهيار الاقتصادي والكارثة الإنسانية، بدلاً من محاولات إعادة إنتاج القوى التي ارتبطت في أذهان كثير من السودانيين بمرحلة من الأزمات والصراعات.
ومع استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية، تبدو محاولة الإخوان الأخيرة للعودة إلى المشهد السياسي أكثر صعوبة من أي وقت مضى، وسط رفض شعبي متجدد وضغوط سياسية وقانونية متزايدة، ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة التنظيم على استعادة نفوذه عبر تغيير الأسماء والواجهات، في وقت باتت فيه ذاكرة السودانيين أكثر حضوراً من أي مسمى جديد.
>
