تعز تودّع الصحفي عيضة.. والعدالة تنتظر ملاحقة جميع المتورطين
السياسية - منذ ساعة و 4 دقائق
تعز، نيوزيمن، خاص:
شيّعت مدينة تعز، الجمعة، جثمان الصحفي محمد عيضة، مراسل قناتَي «العربية» و«الحدث»، إلى مثواه الأخير في مقبرة الشهداء، بعد أكثر من شهر على اغتياله بتفجير عبوة ناسفة استهدفت سيارته في مدينة المكلا، وسط مطالبات متصاعدة باستكمال التحقيقات ومحاسبة جميع المتورطين في الجريمة.
وحمل مشهد التشييع، الذي شارك فيه مسؤولون وإعلاميون وشخصيات اجتماعية ومواطنون، دلالات تتجاوز مراسم الوداع، إذ أعاد إلى الواجهة قضية استهداف الصحفيين في اليمن، وفتح تساؤلات حول قدرة الأجهزة الأمنية والقضائية على الوصول إلى جميع الأطراف المرتبطة بالجريمة، ومنع تحول نتائج التحقيقات إلى مجرد إعلان لا يتبعه مسار قضائي حاسم.
وكان الصحفي محمد عيضة قد قُتل في 24 يونيو الماضي، إثر انفجار عبوة ناسفة زُرعت في سيارته أثناء مروره في شارع الستين بمدينة المكلا، قبل أن يفارق الحياة متأثرًا بإصاباته في مستشفى ابن سينا، في جريمة أثارت إدانات واسعة داخل الأوساط الإعلامية والحقوقية، ومطالبات بتوفير حماية أكبر للصحفيين وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب.
تشييع والعدالة ما تزال قيد الانتظار
جاء تشييع عيضة بعد مرور أكثر من شهر على اغتياله، في وقت لا تزال فيه القضية محل اهتمام واسع، خصوصًا بعد إعلان نتائج تحقيقات أمنية وحكومية قالت إن الجريمة نُفذت ضمن مخطط استهدف إعلاميين وقيادات أمنية في المناطق المحررة.
ورغم ما كشفته التحقيقات من معلومات بشأن الجهة المتهمة بالتخطيط والتمويل والإشراف على العملية، يرى صحفيون وناشطون أن الوصول إلى الحقيقة الكاملة لا يكتمل بالإعلان عن أسماء المتهمين، بل يتطلب استكمال ملاحقة جميع عناصر الخلية، وكشف مسارات التمويل والدعم، وتحديد الجهات التي ساعدت المتورطين أو وفرت لهم الغطاء والحماية.
ويؤكد مراقبون أن قضية اغتيال عيضة تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية مؤسسات الدولة في حماية الصحفيين، إذ إن بقاء المتورطين خارج نطاق المساءلة قد يفتح المجال أمام تكرار جرائم مماثلة، ويزيد من المخاطر التي تواجه العاملين في وسائل الإعلام أثناء أداء مهامهم.
وأعلنت الجهات الرسمية أن نتائج التحقيقات توصلت إلى اتهام مليشيا الحوثي بالتخطيط والتمويل لعملية اغتيال الصحفي محمد عيضة، فيما قالت إن القيادي الإرهابي أمجد خالد أشرف على الخلية المتهمة بتنفيذ العملية وتدريب عناصرها.
وبحسب المعلومات التي أعلنتها الجهات الأمنية، فإن القضية لا تتعلق بعملية اغتيال منفردة، بل ترتبط بمخطط أوسع استهدف شخصيات إعلامية وقيادات أمنية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، وسط استمرار الإجراءات لملاحقة بقية العناصر واستكمال التحقيقات تمهيدًا لإحالة المتورطين إلى القضاء.
كما أشارت التحقيقات إلى اتهامات بتورط الإخواني أمجد خالد في التخطيط لعمليات استهداف أخرى، وارتباطه بعدد من جرائم الاغتيال والعمليات الإرهابية التي شهدتها مناطق محررة خلال السنوات الماضية.
وكانت استخبارات المقاومة الوطنية، بالتنسيق مع جهاز أمن الدولة في العاصمة المؤقتة عدن، قد أعلنت في وقت سابق ضبط اثنين من عناصر خلية مرتبطة بعملية الاغتيال، بعد عملية استدراج ومتابعة أمنية، في خطوة قالت الجهات المختصة إنها ساعدت في الوصول إلى معلومات بشأن بقية عناصر الشبكة.
اتهامات بتوفير الغطاء والحماية
وأعقب إعلان نتائج التحقيقات تصاعد في الانتقادات الموجهة إلى جهات وشخصيات سياسية، وسط مطالبات بالتحقيق في أي أدوار تتعلق بتوفير الغطاء أو الحماية للمتهمين، وعدم حصر القضية في المنفذين المباشرين.
وقال الإعلامي محمود العتمي إن أمجد خالد «يستمر في حصد أرواح الصحفيين»، متهمًا إياه بالعمل لتنفيذ مهام مرتبطة بالحوثيين، ومشيرًا إلى ما وصفه بسجل من عمليات الاستهداف التي طالت إعلاميين وشخصيات أخرى.
وأضاف العتمي أن أمجد خالد ارتبط، وفق اتهاماته، بالتخطيط أو الإشراف على عمليات استهدفت عددًا من الصحفيين، من بينهم نبيل القعيطي وصابر الحيدري، إلى جانب استهدافه الشخصي الذي أدى إلى مقتل زوجته، مؤكدًا أن الأجهزة الأمنية أعلنت في مراحل سابقة معلومات وتسجيلات مرتبطة بتواصل المتهم مع عناصر من خلاياه.

وانتقد العتمي، بحسب تصريحاته، عدم اتخاذ إجراءات رادعة خلال السنوات الماضية، رغم ما قال إنها بلاغات ومعلومات أمنية بشأن تحركات أمجد خالد، مشيرًا إلى أنه ظل يدير أنشطته من مناطق خاضعة لنفوذ حزب الإصلاح في محافظة تعز، على حد تعبيره.
كما انتقد ما وصفه بحملات الدفاع عن أمجد خالد، مشيرًا إلى أن بعض المنصات والشخصيات الإعلامية أتاحت له الظهور وتقديم روايته، رغم الاتهامات الأمنية الموجهة إليه.
من جانبه، قال الناشط الصحفي عبود محمد آل حمير إن أمجد خالد كان قياديًا بارزًا في حزب الإصلاح، وتولى قيادة «لواء النقل» في عدن بقرار جمهوري خلال عهد الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي.
وأضاف أن أمجد خالد غادر العاصمة عدن بعد اتهامه بالتورط في أعمال إرهابية، قبل أن يتنقل بين مناطق خاضعة لسيطرة حزب الإصلاح في تعز وأخرى تسيطر عليها مليشيا الحوثي في صنعاء، متهمًا جهات تنظيمية بتوفير الغطاء والحماية له.
بدوره، اعتبر السياسي أنس الخليدي أن القضية، وفق رؤيته، لا تتعلق بأمجد خالد بوصفه فردًا فقط، بل تمتد إلى ما وصفه بـ«منظومة حزب الإصلاح»، متهمًا الحزب بالدفاع عنه وتوفير الدعم والحماية السياسية والإعلامية والأمنية له.
وتبقى هذه الاتهامات، التي صدرت عن شخصيات إعلامية وسياسية، بحاجة إلى تحقيقات قضائية مستقلة وشفافة لتحديد مدى صحتها، والكشف عن أي مسؤوليات مباشرة أو غير مباشرة، وضمان عدم استخدام القضية في إطار التراشق السياسي بعيدًا عن مسار العدالة.
جريمة تتجاوز استهداف شخص
لا ينظر قطاع واسع من الصحفيين إلى اغتيال محمد عيضة باعتباره استهدافًا لشخص أو مؤسسة إعلامية فحسب، بل باعتباره اعتداءً على حرية الصحافة وحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات، خصوصًا أن الضحية كان يؤدي عمله المهني في تغطية الأحداث ونقل الوقائع.
وأثارت الجريمة إدانات من نقابة الصحفيين اليمنيين ومنظمات إعلامية وحقوقية، فيما وجّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي بتشكيل لجنة تحقيق عليا مشتركة لكشف ملابسات العملية، وتحديد المسؤولين عنها، واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.
غير أن الانتقال من مرحلة التحقيق إلى مرحلة المحاسبة يظل المطلب الأبرز لدى الوسط الإعلامي، الذي يرى أن كشف أسماء المتهمين يجب أن يتبعه ضبطهم وإحالتهم إلى القضاء، وإعلان نتائج المحاكمات بصورة علنية، بما يضمن إنصاف الضحية وردع أي محاولات لاستهداف الصحفيين مستقبلًا.
ومع إعلان الأجهزة الأمنية عن نتائج التحقيقات وضبط عناصر مرتبطة بالقضية، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة، وما إذا كانت السلطات ستتمكن من الوصول إلى جميع المتورطين، بمن فيهم المخططون والممولون والمشرفون والمنفذون، إضافة إلى أي جهات يثبت تورطها في تقديم الدعم أو الحماية.
ويؤكد متابعون أن العدالة في قضية محمد عيضة لن تكتمل بمجرد كشف تفاصيل الجريمة، بل عبر إجراءات قانونية واضحة تنتهي بمحاسبة جميع المسؤولين، وعدم السماح بتحول النفوذ السياسي أو الحزبي أو الجغرافي إلى مظلة تحمي المتهمين من الملاحقة.
وبينما وُوري جثمان الصحفي محمد عيضة الثرى في مسقط رأسه بمدينة تعز، بقيت قضية اغتياله مفتوحة على أسئلة تتعلق بمصير بقية عناصر الخلية، ومدى قدرة الدولة على تفكيك شبكات الاغتيال، ومحاسبة كل من يقف خلفها.
فالجنازة أنهت رحلة الجثمان إلى مثواه الأخير، لكنها لم تُنهِ مطلب الحقيقة، ولم تطوِ ملف العدالة؛ إذ لا يزال الوسط الإعلامي ينتظر أن تتحول نتائج التحقيقات إلى إجراءات قضائية حاسمة، تضمن إنصاف عيضة، وتحمي الصحفيين من أن يصبحوا أهدافًا سهلة في صراع تتداخل فيه الحسابات السياسية والأمنية والتنظيمية.
>
