الحرب تكشف هشاشة الاقتصاد الإيراني.. انهيار الإنتاج يبدد رواية التعافي
السياسية - منذ ساعة و 46 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن، ترجمة:
كشفت بيانات إنتاج حديثة صادرة عن كبرى الشركات الصناعية الإيرانية حجم الخسائر الاقتصادية العميقة التي خلفتها الحرب الأخيرة بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي، في تطور يناقض الرواية الرسمية التي سعت طهران إلى ترويجها بشأن عودة الإنتاج إلى طبيعته وإصلاح الأضرار التي لحقت بالمنشآت الصناعية خلال فترة قصيرة.
وبحسب تحليل نشره منتدى الشرق الأوسط للخبير في شؤون الطاقة والاقتصاد دالغا خاتين أوغلو، فإن المؤشرات الجديدة تظهر أن تداعيات الحرب التي استمرت 39 يوماً تجاوزت حدود الأضرار المادية المباشرة، لتطال البنية الإنتاجية للاقتصاد الإيراني وتكشف عن هشاشة تراكمت على مدى سنوات نتيجة العقوبات ونقص الاستثمارات والأزمات الهيكلية المزمنة.
وتبرز صناعة البتروكيماويات باعتبارها أحد أكبر المتضررين من الحرب، رغم كونها تمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة وعائدات التصدير لإيران. فوفقاً للبيانات الرسمية، انخفض إنتاج ستة مجمعات بتروكيماوية رئيسية تابعة لشركة صناعات البتروكيماويات في الخليج العربي إلى 410 آلاف طن فقط خلال شهري مارس وأبريل 2026، وهو ما يعادل 13 في المائة فقط من إنتاج الفترة ذاتها من العام الماضي.
ويشير هذا التراجع الحاد إلى أن الأضرار التي أصابت المنشآت الاستراتيجية كانت أكبر بكثير مما اعترفت به السلطات الإيرانية، خصوصاً مع توقف شبه كامل للإنتاج في شركات عملاقة مثل "بارديس" و"جام" للبتروكيماويات، اللتين تعدان من أكبر المنتجين للمواد الكيميائية والبوليمرات في البلاد.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود المصانع، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية، حيث شهدت أسعار المواد البلاستيكية ومواد تغليف الأغذية والأدوية ارتفاعات كبيرة خلال الأسابيع الأخيرة، نتيجة نقص الإمدادات وتراجع الإنتاج المحلي. كما اضطرت الحكومة إلى زيادة الواردات لتعويض النقص المتزايد في عدد من المنتجات البتروكيماوية الأساسية.
ومن أكثر القطاعات تأثراً بالأزمة قطاع الأسمدة الزراعية، إذ قفزت أسعار العديد من أنواع الأسمدة إلى ما بين ستة وسبعة أضعاف مستوياتها السابقة، ما يهدد بتفاقم أزمة الإنتاج الزراعي في بلد يعاني أصلاً من الجفاف وتراجع المحاصيل وارتفاع الاعتماد على الواردات الغذائية.
ويحذر التحليل من أن هذه التطورات قد تدفع إيران إلى مزيد من الارتهان للاستيراد الخارجي، في وقت تستورد فيه بالفعل ما يقارب 17 مليار دولار من الحبوب سنوياً، بينما تراجع الإنتاج المحلي للحبوب بنحو 20 في المائة خلال العام الماضي وفق تقديرات دولية.
وفي قطاع الصلب، الذي يعد ثاني أكبر مصدر للعائدات الصناعية بعد النفط والبتروكيماويات، تكشف الأرقام عن صورة قاتمة أخرى. فقد تعرضت شركتا مباركة للصلب وخوزستان للصلب، المسؤولتان عن نحو نصف إنتاج البلاد، لأضرار كبيرة أدت إلى تراجع الإنتاج بنسبة 67 في المائة و76 في المائة على التوالي.
كما تأثرت شركات أخرى لم تتعرض للاستهداف المباشر، نتيجة اضطراب سلاسل التوريد والنقل والطاقة، وهو ما يعكس حجم الترابط بين القطاعات الصناعية الإيرانية ومدى تأثرها بأي صدمة عسكرية واسعة النطاق.
أما قطاع السيارات، الذي يمثل أحد أكبر القطاعات المشغلة للأيدي العاملة في إيران، فقد شهد بدوره تراجعاً ملحوظاً في الإنتاج، حيث انخفض إنتاج شركتي "إيران خودرو" و"سايبا" بنسب وصلت إلى 16 و58 في المائة على التوالي. وتراجع إجمالي الإنتاج الشهري للشركتين من 82 ألف سيارة خلال الفترة المقابلة من العام الماضي إلى نحو 57 ألف سيارة فقط.
وتحمل هذه الأرقام أبعاداً اجتماعية واقتصادية أوسع، إذ يعتمد عشرات الآلاف من العمال بشكل مباشر وغير مباشر على قطاع السيارات وسلاسل التوريد المرتبطة به، ما يثير مخاوف من اتساع الضغوط على سوق العمل وارتفاع معدلات البطالة خلال الفترة المقبلة.
ورغم إعلان الولايات المتحدة منح إيران إعفاءً مؤقتاً يسمح لها بمواصلة تصدير النفط لمدة شهرين، يرى التحليل أن هذه الخطوة لن تكون كافية لمعالجة التداعيات الاقتصادية المتراكمة، أو الحد من التضخم المتسارع، أو تحسين مستويات المعيشة التي تشهد تراجعاً مستمراً.
ويؤكد الخبير دالغا خاتين أوغلو أن الحرب لم تخلق الأزمة الاقتصادية الإيرانية بقدر ما كشفت عمق الاختلالات القائمة أصلاً داخل الاقتصاد. فقبل اندلاع الصراع كانت المصانع الإيرانية تعاني من انقطاعات الطاقة ونقص التمويل وتراجع الاستثمارات وضعف الطلب المحلي، وهي عوامل جعلت القطاع الصناعي أكثر عرضة للانهيار عند تعرضه لأي صدمة خارجية.
وتعزز هذه القراءة بيانات اقتصادية حديثة أظهرت انكماش الناتج المحلي الإجمالي الإيراني بنسبة 4.9 في المائة خلال الربع الأخير عند احتساب قطاع النفط، وبنسبة 4 في المائة عند استبعاده، ما يعكس دخول الاقتصاد مرحلة تباطؤ حادة حتى قبل اندلاع الحرب.
وأشار التحليل إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الأضرار التي لحقت بالمصانع والمنشآت فقط، بل في الآثار الممتدة التي تهدد النمو الاقتصادي والتوظيف والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي خلال الأشهر والسنوات المقبلة. كما تشير المؤشرات الحالية إلى أن وقف إطلاق النار لم ينه الأزمة الاقتصادية، بل كشف عن تحديات أعمق قد تجعل عملية التعافي أكثر صعوبة وتعقيداً مما تعلنه السلطات الإيرانية.
>
