تفجير منزل بن فدغم.. هل يخسر الحوثيون معركة القبيلة؟
السياسية - منذ ساعة و 37 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، تقرير خاص:
دخلت قضية الشيخ القبلي حمد بن راشد بن فدغم الحزمي منعطفاً جديداً وخطيراً، بعد إقدام جماعة الحوثي على تفجير منزله في منطقة اليتمة بمحافظة الجوف، في خطوة أعادت الأزمة من إطارها الفردي إلى مستوى أوسع يتعلق بطبيعة العلاقة المتوترة بين الجماعة والقبائل، وحدود قدرة الحوثيين على احتواء الغضب القبلي المتصاعد داخل مناطق سيطرتهم.
فالحدث الذي جاء بعد أيام قليلة من إعلان الشيخ بن فدغم انشقاقه عن الجماعة ووصوله إلى مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لا يُنظر إليه باعتباره مجرد إجراء عقابي ضد شخصية قبلية بارزة، بقدر ما يُقرأ بوصفه تطوراً قد يحمل تداعيات تتجاوز حدود الجوف إلى خارطة النفوذ القبلي في شمال اليمن بأكمله.
من قضية فردية إلى أزمة قبلية
بدأت القضية على خلفية الخلافات المرتبطة بالمرأة المعروفة إعلامياً باسم "ميرا صدام حسين"، والتي تحولت خلال الأشهر الماضية إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل الأوساط القبلية.
لكن المشهد تغير جذرياً بعد ظهور الشيخ بن فدغم في تسجيلات مصورة، أكد خلالها تعرضه للاعتقال والتعذيب والإجبار على الإدلاء باعترافات تحت الإكراه، نافياً الرواية التي روجت لها وسائل إعلام الحوثيين سابقاً.
وبينما كانت الجماعة تراهن على إغلاق الملف، أدى ظهور الشيخ وإفاداته إلى نتيجة معاكسة تماماً، إذ انتقلت القضية من نزاع محدود إلى قضية رأي عام قبلي تمس مكانة القبيلة وواجباتها تجاه من يلجأ إليها، وهي مسألة شديدة الحساسية داخل البنية الاجتماعية اليمنية.
لماذا تبدو القضية مختلفة؟
على مدى سنوات الحرب خاض الحوثيون عشرات الخلافات مع شخصيات قبلية ووجهاء محليين، لكن كثيراً من تلك الأزمات انتهت عبر الوساطات والتسويات القبلية.
أما في قضية الشيخ حمد بن فدغم الحزمي، فإن التعقيد يكمن في أن الخلاف لم يعد متعلقاً بشخص الشيخ وحده، بل بمبدأ قبلي يعتبر من الثوابت الراسخة في الأعراف اليمنية، وهو حماية المستجير وصون الجوار والالتزام بالأعراف القبلية المنظمة للعلاقات الاجتماعية.
ولهذا يرى مراقبون أن القبائل المتضامنة مع بن فدغم لا تدافع عن شخصه بقدر ما تدافع عن مكانة القبيلة نفسها، وهو ما يفسر حجم التفاعل الذي شهدته القضية داخل الجوف وخارجها.
مشهد قبلي غير مسبوق
أحد أكثر المؤشرات دلالة على خطورة الأزمة تمثل في الحشود والوفود القبلية التي توافدت، وما زالت تتوافد، إلى منطقة الريان شرق محافظة الجوف من محافظات عدة، بينها مأرب وصنعاء وحضرموت وشبوة والمهرة وأبين، لإعلان التضامن مع قبائل دهم والشيخ بن فدغم.
كما اتخذت قبائل دهم خطوات تصعيدية عبر احتجاز شاحنات مرتبطة بقبائل سحار وخولان في صعدة، على خلفية اتهامها للقيادي الحوثي فارس مناع بالوقوف وراء القضية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تنقل النزاع من مستوى المواقف والبيانات إلى مستوى الإجراءات الميدانية التي تمس المصالح الاقتصادية والاجتماعية للأطراف المرتبطة بالأزمة.
الحوثيون أمام اختبار القبيلة
منذ سيطرتهم على أجزاء واسعة من اليمن، عمل الحوثيون على بناء شبكة واسعة من التحالفات القبلية، مستفيدين من النفوذ الاجتماعي للقبائل في المناطق الشمالية.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعداً في مؤشرات التوتر بين الجماعة وبعض المكونات القبلية، نتيجة قضايا مرتبطة بالأراضي والتجنيد والجبايات والتدخل في الأعراف المحلية.
وتبدو قضية الشيخ بن فدغم امتداداً لهذا التراكم من الاحتقانات، لكنها تختلف عنها في كونها جاءت في توقيت حساس، وفي ظل اتهامات مباشرة للجماعة بممارسة التعذيب والإكراه بحق شخصية قبلية معروفة.
تفجير المنزل.. رسالة ردع أم خطأ استراتيجي؟
يرى متابعون أن تفجير منزل الشيخ حمد بن فدغم كان يهدف إلى توجيه رسالة قوية لكل من يفكر في الانشقاق عن جماعة الحوثي، أو كشف ما يجري داخل مناطق سيطرتها.
غير أن النتائج الأولية تشير إلى أن الخطوة ربما حققت أثراً معاكساً، إذ عززت مشاعر التضامن مع الشيخ وأعادت القضية إلى واجهة الاهتمام القبلي والإعلامي بصورة أكبر.
ففي الثقافة القبلية اليمنية لا يُنظر إلى هدم المنازل باعتباره عقوبة فردية فحسب، بل باعتباره مساساً برمزية العائلة والقبيلة ومكانتها الاجتماعية، وهو ما يفسر حجم ردود الفعل الغاضبة التي أعقبت الحادثة.
هل تقترب مواجهة قبلية أوسع؟
رغم أن الحديث عن حرب قبلية شاملة ضد الحوثيين قد يبدو مبكراً، فإن المؤشرات الحالية تكشف عن أزمة حقيقية تتجاوز إطار الخلاف التقليدي.
ففشل الوساطات القبلية حتى الآن، ورفض قبائل دهم مبادرات الصلح قبل تنفيذ مطالبها، واتساع دائرة التضامن القبلي، كلها عوامل تشير إلى أن الأزمة ما تزال مرشحة لمزيد من التصعيد.
كما أن ظهور أصوات قبلية من مناطق مختلفة تعلن تضامنها مع الشيخ بن فدغم يكشف أن القضية بدأت تلامس مشاعر أوسع تتعلق بمستقبل العلاقة بين القبائل والجماعة.
أزمة تتجاوز الجوف
تكشف تطورات قضية الشيخ بن فدغم أن الحوثيين يواجهون اليوم تحدياً مختلفاً عن المواجهات العسكرية والسياسية التقليدية.
فالأزمة الحالية تدور داخل البيئة الاجتماعية التي اعتمدت عليها الجماعة لسنوات في تثبيت نفوذها، ما يجعل تداعياتها أكثر حساسية وتعقيداً.
ورغم أن مآلات الأزمة ما تزال مفتوحة على احتمالات متعددة، فإن المؤكد أن تفجير منزل الشيخ بن فدغم لم ينهِ القضية، بل نقلها إلى مرحلة جديدة قد تكون الأكثر خطورة منذ اندلاعها.
ويبقى السؤال الذي تطرحه التطورات المتسارعة: هل تتحول قضية بن فدغم إلى شرارة تعيد إحياء التمرد القبلي ضد الحوثيين، أم تنجح الوساطات في احتواء واحدة من أكثر الأزمات القبلية تعقيداً خلال السنوات الأخيرة؟
>
