تحديات الأمن الإقليمي.. هل تعيد ترميم الشراكة السعودية الإماراتية؟
السياسية - منذ ساعة و 6 دقائق
عدن، نيوزيمن، خاص:
شهدت العلاقات السعودية الإماراتية خلال الفترة الأخيرة واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ انطلاق التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن عام 2015، إذ برزت تباينات سياسية وأمنية متزايدة في عدد من الملفات الإقليمية واليمنية، قبل أن تتطور في الأشهر الأخيرة إلى مؤشرات أكثر وضوحاً على وجود اختلافات في الرؤى تجاه بعض القضايا المرتبطة بمستقبل اليمن وترتيبات الأمن في جنوب الجزيرة العربية.
وجاءت التطورات التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة قبل أشهر لتكشف جانباً من هذا التباين، في ظل تنافس غير معلن على النفوذ السياسي والأمني داخل المحافظتين، وما رافق ذلك من تحركات ومواقف متباينة أثارت نقاشاً واسعاً حول طبيعة العلاقة بين الرياض وأبوظبي ومستقبل التنسيق بينهما داخل الملف اليمني.
كما أن إعلان المملكة العربية السعودية خروج دولة الإمارات من التحالف العربي لدعم الشرعية اليمنية مثّل محطة سياسية لافتة، أعادت فتح باب التساؤلات حول مدى تأثير الخلافات والتباينات اليمنية على واحدة من أهم الشراكات الاستراتيجية في المنطقة.
ورغم ذلك، يرى مراقبون أن ما جرى خلال الفترة الماضية لا يرقى إلى مستوى القطيعة الاستراتيجية بين البلدين، بقدر ما يعكس اختلافاً في مقاربات إدارة بعض الملفات، وهي اختلافات غالباً ما تشهدها العلاقات بين الدول الكبرى التي تمتلك مصالح واسعة ومتشعبة.
رسائل تهدئة في توقيت حساس
في خضم الحديث المتزايد عن التوترات، جاءت التصريحات المتبادلة بين وزيري الإعلام في السعودية والإمارات لتبعث برسائل واضحة تؤكد متانة العلاقات بين البلدين وعمق الروابط التاريخية التي تجمعهما.
هذه الرسائل لم تكن مجرد رد على الشائعات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل حملت أبعاداً سياسية تعكس إدراكاً متزايداً لدى القيادتين بأن حجم التحديات الإقليمية الراهنة أكبر بكثير من أي تباينات ظرفية يمكن أن تنشأ حول بعض الملفات.
ففي منطقة تشهد تحولات متسارعة وصراعات مفتوحة، تبدو الحاجة إلى التنسيق السعودي الإماراتي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
الحوثيون.. الخطر الذي يهدد الجميع
ورغم الجدل الذي أحاط بالعلاقة بين الرياض وأبوظبي خلال الفترة الماضية، فإن التهديد الحوثي المدعوم من إيران يظل العامل الأكثر حضوراً في حسابات الأمن القومي للبلدين.
فمنذ سنوات لم تعد جماعة الحوثي مجرد طرف محلي في الحرب اليمنية، بل تحولت إلى ذراع إقليمية ضمن مشروع إيراني أوسع يسعى إلى توسيع النفوذ في المنطقة واستخدام الجغرافيا اليمنية كورقة ضغط على دول الخليج والمجتمع الدولي.
وقد أظهر إعلان جماعة الحوثي الإرهابية، المدعومة من إيران، الحظر البحري على السعودية في البحر الأحمر وباب المندب أن الخطر لم يعد يهدد اليمن وحده، بل يمتد إلى تهديد الملاحة العالمية بأكملها.
وتدرك السعودية والإمارات أن استمرار سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من الساحل الغربي اليمني، وامتلاكهم قدرات صاروخية وبحرية وطائرات مسيرة مدعومة إيرانياً، يمنح طهران قدرة على تهديد واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
باب المندب.. معركة تتجاوز اليمن
يمثل مضيق باب المندب نقطة التقاء مباشرة للمصالح السعودية والإماراتية، فالمضيق لا يعد ممراً مائياً يمنياً فحسب، بل شرياناً حيوياً للتجارة الدولية وحركة الطاقة العالمية.
وأي اضطراب في هذا الممر الاستراتيجي ينعكس مباشرة على اقتصادات المنطقة والعالم، ويؤثر على حركة الملاحة بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.
ومن هنا ينظر كثير من الخبراء إلى التهديدات الحوثية في البحر الأحمر باعتبارها تهديداً مشتركاً للرياض وأبوظبي، بغض النظر عن أي تباينات سياسية أو ميدانية قد تظهر في ملفات أخرى.
كما أن الهجمات التي شنها الحوثيون، خلال السنوات الأخيرة، على السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، أظهرت أن إيران تسعى إلى استخدام الحوثيين كورقة ضغط استراتيجية، سواء في البحر الأحمر أو في جنوب الجزيرة العربية، بما يمنحها نفوذاً يتجاوز حدودها الجغرافية.
من التنافس إلى الضرورة الاستراتيجية
صحيح أن السنوات الأخيرة شهدت تباينات في بعض الملفات الاقتصادية والسياسية، كما شهدت الساحة اليمنية اختلافات في الرؤى حول إدارة بعض المناطق والقوى المحلية، إلا أن التحديات الجديدة تفرض واقعاً مختلفاً.
فاليوم تواجه السعودية والإمارات مجموعة من المخاطر المشتركة تشمل أمن الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، ومواجهة النفوذ الإيراني، والتصدي للجماعات المسلحة العابرة للحدود، إضافة إلى حماية الاستقرار الإقليمي في الخليج والبحر الأحمر.
وهذه الملفات تجعل من الصعب على أي من البلدين العمل منفرداً أو إدارة التحديات الإقليمية بعيداً عن مستوى عالٍ من التنسيق والتفاهم.
اليمن في قلب المعادلة
يبقى اليمن الساحة الأكثر تأثيراً في مستقبل العلاقة السعودية الإماراتية، باعتباره نقطة التقاء للمصالح المشتركة ومصدراً دائماً للتحديات الأمنية.
فاستمرار الحرب، وتعثر التسوية السياسية، وتنامي القدرات العسكرية للحوثيين، كلها عوامل تجعل استقرار اليمن هدفاً استراتيجياً للرياض وأبوظبي على حد سواء.
كما أن أي فراغ أمني في اليمن من شأنه أن يمنح إيران مساحة أوسع للتحرك قرب الحدود السعودية وعلى امتداد السواحل المطلة على البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً لمصالح البلدين.
شراكة تفرضها الجغرافيا والتحديات
ورغم ما شهدته العلاقة السعودية الإماراتية من توترات وتباينات خلال المرحلة الماضية، فإن طبيعة التحديات الحالية تبدو كفيلة بإعادة ترتيب الأولويات.
فالمخاطر التي يمثلها الحوثيون بوصفهم أحد أبرز حلفاء إيران في المنطقة، والتهديدات المستمرة لأمن البحر الأحمر وباب المندب، والتقلبات الإقليمية المتسارعة، كلها عوامل تدفع باتجاه تعزيز التنسيق بين الرياض وأبوظبي بدلاً من توسيع مساحات الخلاف.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل العلاقة بين البلدين لن تحدده خلافات الملفات التكتيكية أو التنافسات المحدودة، بقدر ما ستحدده المصالح الاستراتيجية الكبرى المرتبطة بأمن الخليج واستقرار المنطقة وحماية الممرات البحرية الدولية.
ولهذا فإن السؤال المطروح اليوم لم يعد ما إذا كانت السعودية والإمارات قادرتين على تجاوز مرحلة التوتر، بل ما إذا كانت التحديات الإقليمية المتصاعدة ستدفعهما إلى بناء مرحلة جديدة من الشراكة أكثر تماسكاً في مواجهة مشروع إيراني يزداد حضوراً على ضفاف البحر الأحمر وباب المندب.
>
