مطارد القوارض الروسي الذي صار لاعب شطرنج على رقعة الخارطة الجيوسياسية العالمية

السياسية - الاثنين 28 فبراير 2022 الساعة 09:21 ص
نيوزيمن، كتب/ محمد يحيى:

عند مدخل الشارع الذي يقع فيه منزله، وقف "فلاديمير سبيريدونوفيتش" الجندي الروسي العائد إلى لينينغراد (سانت بطرسبرغ) في إجازة لزيارة عائلته، بعد أشهر قضاها في الجبهة أثناء الحرب العالمية الثانية؛ كان يراقب شاحنة عسكرية تقوم بتحميل عشرات الجثث تمهيدًا لنقلها إلى مقبرة جماعية، بعد أن قصفت طائرات الألمان ذلك الشارع.. تقدم الجندي نحو الشاحنة ووقف يتأمل الجثث المتكدسة، لفت نظره حذاءً في قدم سيدة يشبه حذاء سبق أن اشتراه لزوجته، وكانت صدمته وهو يتفحص جثة السيّدة فإذا هي فعلاً زوجته ماريا، وبعد أن أفاق من الصدمة لم يشأ أن تدفن زوجته في مقبرة جماعية، فطلب سحبها من الشاحنة ليقوم بدفنها بشكل لائق، وأثناء نقل الجثة تبين أنها تتنفس ببطء وصعوبة، فتم نقلها إلى المستشفى حيث تعالجت واستعادت الحياة من جديد، وبعد بضع سنوات على هذا الحادث، حملت الزوجة التي كادت أن تدفن حيّة، ووضعت طفلاً أسمته "فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين".

يتحدث "فلاديمير بوتين" للمخرج الأمريكي الشهير أوليفر ستون عن طفولته في لينينغراد، حيث عاش مع والديه في "شقة" من غرفة واحدة بالطابق الرابع، من مبنى بلا مصعد ما يزال للآن.. ويتذكر الرئيس الروسي في الفيلم الوثائقي "مقابلة بوتين" الذي بث في 2017، شقيقيه اللذين ولدا قبله، وهما ألبرت الذي توفي طفلا، وفيكتور الذي اعتل بمرض "الخناق" الفاتك بالجهاز التنفسي، وتوفي أثناء حصار الجيش النازي لمدينة لينينغراد بالحرب العالمية الثانية، ويقول بوتين إنه لم يبق في الميدان سواه وحيد أمه ماريا الراحلة في 1998 ووالده فلاديمير الراحل بعدها بعام.

قبل هذا الفيلم الوثائقي بفترة، نشرت صحيفة "ديلي ميرور" البريطانية، تقريراً عن بوتين ووصفت شقة عائلته في لينينغراد المكونة من غرفة واحدة، حيث كانت جدراناً من الكرتون تفصل بين غرف العائلات، وأن عائلة بوتين كانت تضطر إلى مشاركة الحمام مع عائلات أخرى، فيما كان الصبي بوتين آنذاك قد اعتاد مطاردة القوارض وصيدها، بعد أن كانت تجتاح الحي الذي تترعرع فيه ليقتلها، فكانت طفولته -بحسب الصحيفة- بائسة إلى حد كبير ومن الأسوأ. 

ويفخر بوتين بجده لأبيه "سبيريدون"، ويعتبره مميزا ووساما للعائلة، وكان الجد قد عمل طباخا للينين ومن بعده ستالين، واستمر يطبخ بعدهما لمشاهير الدولة السوفييتية حتى قبل قليل من وفاته في 1965 بعمر 86 سنة.

ودأبت الكثير من وسائل الإعلام والمراكز البحثية الغربية، على تحليل شخصية بوتين، ويعتبر كثير من المحللين بأن طفولة الرئيس الروسي البائسة ونشأته في ظروف قاسية، قد انعكست على شخصيته وسلوكه السياسي.

وتشكّل شخصية فلاديمير بوتين المثيرة للجدل، لغزا محيّرا للإعلام الغربي، وتختلف التقديرات الغربية في الحكم على شخصيته واستجلاء ما يدور في عقله؛ بين من يراه لاعب شطرنج ماهرا على رقعة الخريطة الجيوسياسية العالمية، ومن يراه إنسانا مغامرا يخوض خطوات غير محسوبة العواقب، وتحفل الأدبيات السياسية الغربية بالكثير من الكتابات والتصريحات حول شخصية الرئيس الروسي، ومحاولة فهم سلوكه السياسي.

ويُوصف بوتين بأنه يحترف تكتيكاََ خاصاََ يصدره كشخصية كاريزماتية مسيطرة على كل الضيوف، ويُوصل من خلال طريقة لقائه بالرؤساء رسائل مباشرة أعمق بكثير مما يدور من نقاش وأحاديث.

أعاد بوتين في عهد الرئيس الإمريكي باراك أوباما تقديم روسيا كبلد منافس للولايات المتحدة، وعندما زار أوباما موسكو، دعاه بوتين لفطور روسي تقليدي، وسقاه القهوة المحمصة بحذاء جندي سوفييتي.

وفي قمة مجموعة الثماني الكبار عام 2007، كان الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، متحمساً جداً لانتقاد موسكو وسياساتها، ودخل للقاء بوتين واثقاً، لكنه خرج من الاجتماع إلى المؤتمر الصحفي مرتبكاً، بعد أن هاجمه الرئيس الروسي وأهانه، كما نقلت وسائل الإعلام الفرنسية حينها عن بوتين قوله: اسمع يا ساركوزي إن تستمر بهذه اللهجة فسأسحقك.

مؤخراً أثارت الطاولة البيضاوية الضخمة، التي جلس إليها بوتين مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، في اجتماعهما المنعقد على خلفية التوتر الحاد بشأن أوكرانيا، اهتماماً عالمياً واسعاً، لرمزية المسافة الفاصلة بينهما البالغة 6 أمتار، حيث جعلت العالم يفهم أن المسافة بين المطروح وما تريده موسكو بعيدة جداً، وتم تفسير أمر بوتين بإخراج المترجمين بأنه يرفض الوسطاء ويريد فرض لهجة بلاده في الشأن الأوكراني.

يصف آدي إغناثيوس الصحافي في مجلة تايم الأمريكية الرئيس الروسي بأنه غير صبور إلى درجة الوقاحة، وكان إغناثيوس التقى بوتين في موسكو، وقال إنه يسيطر تماماً على جملة من الرسائل التي يحاول إرسالها إلى المتلقي، ليعطي انطباعاً أوّلياً للغربيين عن أنه الرجل القوي الثابت الذي يتحرك بصلابة ومرونة، وأنه نموذج للرجل الروسي على نحوٍ لا لبس فيه، مع ملامح الوجه العميقة وتلك العيون الخارقة، فلا يبذل أي جهد للتعبير عن ذاته.

الخبيرة الألمانية في لغة الجسد مونيكا ماتشينغ في تحليلها لبوتين، تقول إنه يتعمّد أن ينفخ نفسه كي يوحي بالقوة، ولديه رجفة خفيفة في الكتف الأيسر تثبت أنه يريد أن يتحرك بشكل أكبر لكنه مجبر على الثبات كي يطبّق ما يوصف فيه.

شخصية بوتين المركّبة، اختارتها مجلة «تايم» الأمريكية في 2007 لتكون «شخصية العام» على غلافها، واعتبرته من القوى التي تملك التأثير الأقوى على الأحداث، سواء سلباً أو إيجاباً.

وفي تصنيف مجلة فوربس لعام 2013، لأقوى الشخصيات في العالم، أطاح بوتين بنظيره الأمريكي باراك أوباما من المرتبة الأولى، وقالت المجلة في تفسير حلول بوتين في المرتبة الأولى إنه "عزز سيطرته على روسيا وكل من تابع لعبة الشطرنج بشأن سوريا تكونت لديهم فكرة واضحة عن ميل النفوذ لصالح بوتين على الساحة الدولية".

وبعد خطوة الهجوم على أوكرانيا، يرى المراقبون الغربيون أن بوتين أحيا المخاوف الأوروبية، من أن هدفه لن يتوقف عند أوكرانيا، بل قد يصل إلى دول البلطيق عامة، "مما يعني تهديدا وجوديا لكل أوروبا".

ويؤمن الرئيس الروسي بأن الغرب خالف تعهداته بعدم التمدد شرقا ولا لبوصة واحدة، وأن الغرب منذ عام 2008، بعد تبنيه سياسة الباب المفتوح لتوسيع حلف الناتو بما يشمل أوكرانيا وجورجيا، تجاهل كل المخاوف الروسية من وصول الحلف لحدودها القريبة، سواء شرقا في أوكرانيا أو جنوبا في جورجيا، ويعتبر بوتين بأن تمدد الاتحاد الأوروبي بما يشمل مظلة اقتصادية مالية جمركية واحدة تستثنى منها روسيا، يعد بمثابة خطوة عدائية أخرى من الغرب.

وبتجاهل الغرب مخاوف موسكو، ورفض منح أوكرانيا صفة الحياد لتصبح منطقة عازلة محايدة بين حلف الناتو وروسيا، على الرغم من سقوط ما يقرب من 14 ألف قتيل أوكراني في معارك بين مناطق أوكرانيا الشرقية وحكومة كييف في 2014، وها هو بوتين الذي تصفه وسائل الإعلام الغربية بالمتهور والمغامر، يستخدم اليوم كل أدواته المتاحة لتغيير واقع لا يرضيه على الأرض.