د. فارس البيل

د. فارس البيل

تابعنى على

رحيل المقالح

الاثنين 28 نوفمبر 2022 الساعة 08:20 م

في غمرة المآسي تفقد اليمن ضوءها الأخير، ونافذتها الثقافية الوحيدة التي تمدها بالهواء وتطل بها على العالم، وفي أفدح معاركها الثقافية تفقد اليمن آخر فرسانها الأفذاذ.

كأن اليمن وقد طغت عليها التفاهة من كل جانب؛ لم يكن بها من جبل تأوي إليه سوى المقالح الشامل.. وها قد انهد هذا الجبل. 

ذهب المقالح في شبابه للدراسة خارج مصر، وذهب بعده الآلاف ودرسوا في شتى أنحاء العالم، وكانت تنتهي مهمتهم العلمية بمجرد حصولهم على الشهادة العلمية.. عدا الدكتور المقالح الذي يكاد يكون المتفرد، إذ بمجرد حصوله على الدكتوراة بدأت مسيرته العلمية وانطلق في التأليف والتعليم والإنتاج الإبداعي، واستطاع أن يخرج اليمن من عزلتها الثقافية وغرابتها في المحيط الإبداعي العربي عبر إنتاجه الثرّي من الشعر والنقد والفكر، وعبر استقطابه لأهم المثقفين العرب وغيرهم ودعوتهم لليمن.. وهو الذي قرر أن يبقى في صنعاء ولا يغادرها مطلقاً! 

لقد كان دور المقالح الكبير في الحراك الثقافي اليمني والعربي طوال العقود الماضية أبلغ من كل أدوار المؤسسات الثقافية في اليمن، واستطاع عبر جامعة صنعاء أن يؤسس نهضة علمية وفعلاً ثقافياً مهماً مصبوغاً بالحداثة وحافلاً بالموروث.

كان المقالح هادئاً رزيناً رغم ما يصطخب في عقله من فكر... وهو القادم من قبيلة ليس أكثر من كلامهم وجدلهم.

علاوة على علم المقالح فهو صاحب التواضع الكبير، وهكذا يفعل العلم بأصحابه؛ يخفض أجنحتهم للناس، فكان المقالح أباً لكل المبدعين والمريدين، مفسحاً عقله وقلمه للجميع، بالأخص أولئك الشباب البادئين بالإبداع، الذين يفتحون أعينهم فيجدون المقالح الكبير معهم مؤازراً ومشجعاً.

انتقده كثيرون لأنه يقدم لكل من يعرض عليه إبداعه كيفما كان.. فرد عليهم بأنه يفعل ذلك دعماً لهم وأخذاً بأيديهم، ولو صدّ عنهم أو تعالى لبردت موهبتهم وربما تحولت.

أول تواصلي به، كنت أبحث عن موضوع لرسالة الماجستير ثنايا دراستي في جامعة القاهرة، رد على الهاتف مباشرة بعد أن عرفته بنفسي طرحت أسئلتي مباشرة، وأفاض عليّ بأهم المشورات العلمية في حياتي رغم أنه لا يعرفني، ثم تعددت التواصلات بغية الإفادة منه، ولم يكن يبخل أبداً بالنصيحة، حتى أنه أرسل إليّ مجموعة من المراجع من صنعاء إلى القاهرة هدية تسندني في بحثي العلمي.

 وهكذا كان يفعل مع المئات من مريديه.. دون إبطاء أو إغفال أو حتى ذرة تعالٍ.

بعد عدة سنوات عدت إليه برسالتي جاهزة بعد الحصول على الماجستير، قابلته لأول مرة وكانت الأخيرة أيضاً، في مكتبه المفتوح في مركز الدراسات، ووجدته متذكراً كل تفاصيل نقاشاتنا بالهاتف.. ثم أهديته كتابي الذي قرأ كل حرف فيه بتأنٍ وصبرٍ، وقدم لي كثير ملاحظات، وتشرفت بتقديمه الزاهي.

شكل المقالح.. بأبوته الثقافية لليمن، نموذجاً إنسانياً يمنياً مغايراً حافلاً بالتواضع والقيمة العلمية، والرزانة العالية وعزة النفس وبراعة العطاء، عاش كِفافاً إلا من كرمه العلمي، وظل حاملاً لمشعل النور رغم كل التجاذبات المراهقة، السياسية والثقافية، التي حاولت جره إلى مربعات صغيرة، لكنه بقي محافظاً على مكانة العلم والثقافة، وهذا بعد عميق لا يدركه كثير من المتهافتين.

سيظل المقالح أسطورة لليمن، وستظل سيرته وآثاره دروساً لكل الناس والمبدعين في كيف يكون العلم نزيهاً وكيف يكون العالِم متواضعاً، وكيف يكون العقل سخياً، رغم أن اليمن ظلمته واليمنيون خذلوه.. لكن يكفيه مجداً أنه عاش مبدعاً ومات نقياً.