حسين الوادعيحسين الوادعي

الفاشية الدينية وخطرها على الأمة

مقالات

2020-07-10 09:01:43

لماذا تكتبون كثيراً عن الدين؟

أليست هناك قضايا أهم وأكثر محورية؟

ثم لماذا تُحمّلون الدين كل الأخطاء؟ حتى و لو كانت هناك أخطاء فهي أخطاء المتدينين لا أخطاء الدين نفسه!

كم سمعت هذه العبارات وما زلت اسمعها..

سمعتها من متدينين وإسلاميين وقوميين ويساريين وليبراليين.

ومن كثرة ما سمعتها عرفت أن داخل كل واحد منا سلفيا صغيرا قد يكون ظاهرا او خفيا، لكنه هناك يمارس سلطته بفعل التربية الدينية في الصغر. سلفيا صغيرا ونشطا يُستفز من أي نقاش في الدين خاصة إذا كان جريئا ونقديا.

وجوابي هو التالي:

نحن لا نكتب عن الدين كعبادات وروحانيات...

نحن نكتب عن ظاهرتين من أخطر الظواهر التي ساهمت في إسقاط مجتمعاتنا فيما تعانيه اليوم من فقر وقهر، هما ظاهرتا التدين السياسي والسلطة الدينية.

فإذا كنت لا تعرف الفرق بين التدين السياسي وبين الدين فتلك مصيبة. وإذا كنت تعرف الفرق ولا ترى في نقاش ذلك شيئا مهما فالمصيبة أعظم.

منذ أربعين عاما والمواطن العربي مسحوق بين سلطتين: سلطة الاستبداد السياسي العسكري ممثلة في الأنظمة العربية التي ورثت الحكم بعد الاستقلال، وسلطة الدين السياسي الفاشية التي سيطرت على الشارع العربي وعلى مناهج التعليم والإعلام بعد نكسة 1967م.

عد بذاكرتك إلى النقاشات التي دارت خلال العقود الأربعة الماضية ستجد أن الدين السياسي أو الإسلام المسلح كان في جوهرها.

كانت نقاشاتنا حول الحرية والديمقراطية تُسحب سحبا على يد خطاب التدين السياسي وتتحول إلى نقاش حول الشورى والخلافة.

وكانت نقاشاتنا حول المساواة والمواطنة تُسحب قسرا من قبل خطاب التدين السياسي لتتحول إلى نقاش حول الشريعة وحراس العقيدة.

وكانت نقاشاتنا حول المرأة وحقوقها تتحول بقدرة قادر على يد التدين السياسي إلى نقاش حول الحجاب والنقاب والفتنة والاغراء وحريق النامصات والمتنمصات في نار جهنم.

وكانت نقاشاتنا حول الفن والسينما والمسرح والرواية والرقص تتحول إلى نقاشات حول الحلال والحرام وكم ظهر من الفخذ وكم ظهر من الذراع والعنق.

كان خطاب التدين السياسي وما زال يحاصر كل حركة من حركاتنا.

إذا تحدثنا عن العقل حذَرَنا من الهوي والزيغ والضلال وقال: إن الهُدى كل الهدى في الالتزام بالنص واتباع شيخ الدين.

وإذا تحدثنا عن تغيير الحاكم حدَثَنا التدين المسلح عن إسلام الحاكم وجاهلية المحكوم.

كان المواطن العربي مربوطا من قدميه إلى حصانين متوحشين: حصان السلطة السياسية، وحصان الدين السياسي.. وكل حصان يسحبه في جانب.

جاء الربيع العربي لتسقط السلطة السياسية العربية الموروثة من الاستعمار الراحل، ولتصعد بدلا عنها السلطة الدينية سلطة الإسلام السياسي بعد انقسمت إلى سيفين: سيف الاسلام السياسي السني، وسيف الاسلام السياسي الشيعي وكل سيف يضرب ويطعن ويجرح ويقطع من ناحيته.

اكتب منشورا عن العلم وستجد اول تعليق على منشور يقول لك ان الاسلام احتوى كل العلوم والاختراعات، فلماذا تضيع وقتك..

واكتب منشورا عن الحرية فستجد اول تعليق يقول لك انك تضيع وقتك في الفراغ لان الاسلام حقق الحرية وشروطها ولا نقاش بعد ذلك.

اكتب مثالا عن أي موضوع ستجد نصف التعليقات على الأقل تقول لك ان كل شيء حسم في النص، وما فرطنا في الكتاب من شيء.... فلا تضيع وقتك في علم لا ينفع.

دعك من الكتابة عن الحرب، لان الحرب لو كانت شرعية واخلاقية كان لا بد لنا، انا وانت، ان نكون متواجدين في الجبهات، ولو كانت لا أخلاقية فان الموقف الأخلاقي هو رفضها قولا وفعلا.

أما الكتابة اليومية عن فعاليات الحرب فهي مهمة الإعلام الحربي والتوجيه المعنوي ولست مع هذا ولا ذاك...

ثم انظر الى خطاب الحرب والجهاد والشهادة والتمكين ستجد اغلبه خطابا دينيا، وانظر الى الجبايات التي تنهب ما تبقى من خبز يابس في يد الفقير ستجد اغلبها تشريعات دينية، وانظر إلى الخطاب الذي بواسطته يسرقون عقول الشباب والمستقبل ستجده خطابا دينيا..

ما دامت اغلبية المسلمين ترى أن الاسلام عبادة وسياسة ودولة واقتصاد وتشريعات، فان كل نقاش ديني هو نقاش سياسي حتى يتحول الاسلام الى دين شخصي روحاني.

نعم ليس الدين كل شيء..

لكننا لا نكتب عن الدين...

نحن نكتب عن الفاشية الدينية.

وهذا الغضب من أي خطاب نقدي عن الدين قد يكون إشارة لفاشية دينية مكبوتة.

* من صفحة الكاتب على الفيسبوك

-->