د. عيدروس نصرد. عيدروس نصر

اتفاق الرياض وآلية التسريع

مقالات

2020-08-03 19:56:07

كنا قد تناولنا بإيجابية التطورات الأخيرة المتعلقة باتفاق الرياض وما اصطُلِحَ على تسميته بآلية تسريع تنفيذه، 

وقلنا إن الباحثين عن أي مكاسب سيجدونها في حقن الدماء وصيانة الأرواح وزرع السكينة وتوفير الخدمات الضرورية للمواطنين الذين يدفعون ضريبة كل محاولات التركيع والابتزاز والإكراه ومختلف أنواع الحروب.

سنتوقف هنا عند ردود أفعال الأطراف المختلفة حيال آلية التسريع ونتناول ثلاثة مواقف تبلورت من خلال تصريحات وتغريدات وكتابات لجماعات وشخصيات من أطراف عديدة.

- هناك اعتراض ورفض وتشكيك في نجاعة ونجاح الآلية عبر عنه كثيرون ذوي مواقع وألقاب رسمية في حكومة الشرعية، منهم وزراء وأعضاء مجلس شورى ونواب ووكلاء وزارات، وهذا الاعتراض ينطلق من اعتقاد أصحابه بأن الآلية وقبل ذلك الاتفاق يشرعنان لما يسميه هؤلاء "الانقلاب" الانتقالي (المدعوم إماراتيا) كما تكرر قناة الجزيرة ويكرر معها تلاميذها.

- هناك احتجاج وتشكيك من قبل الكثير من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي الجنوبيين الذين يعتبرون الموافقة على الآلية، ومعها الاتفاق والتخلي عن الإدارة الذاتية، كل هذا يمثل في وجهة نظرهم تنازلاً عن دماء الشهداء وتخليا عن القضية الجنوبية ومطالب الشعب الجنوبي في الحرية والاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية.

ونشير هنا إلى أن أحداً من المحتجين أو المعترضين أو الرافضين للاتفاق والآلية لا يشغل أي موقع أو مسؤولية لا في المجلس الانتقالي الجنوبي وهيئاته القيادية والمحلية ولا في قوات المقاومة الجنوبية وتشكيلاتها المختلفة، وإن هذه المواقف إنما تعبر عن حماس ومخاوف وتشدد أو تشككات أصحابها التي قد يكون لها ما يبررها لكنها لا تعبر عن موقف الطرف الجنوبي الرسمي في أي حال من الأحوال.

- والموقف الثالث ويعبر عنه غالبية المؤيدين للمجلس الانتقالي (وطبعا كل ناشطيه وقياداته) وجزء كبير من أنصار ومؤيدي الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي، وينطلق هؤلاء من موقفين قد يكونان مختلفين لكنهما يلتقيان في الواقعية والعقلانية والشعور بالمسؤولية:

أ‌. فبالنسبة للمجلس الانتقالي وقوات المقاومة الجنوبية ومن بعدهما أغلبية سكان الجنوب، فإن الاتفاق وآلية التسريع، بما تضمنته من تنازلات جنوبية قاسية تمثل مكسباً للجميع لأن إيقاف الحرب وصيانة دماء وأرواح المتقاتلين من الطرفين تمثل هدفا أولويا للجنوب شعباً وقيادةً، والجنوبيون لم يخوضوا المواجهة المسلحة إلا مرغمين بدافع الدفاع عن النفس وصيانة حياة الناس ومصالحهم.

 كما إن تشكيل حكومة الكفاءات سيمثل مدخلاً لتفعيل الخدمات واستعادة حضور أجهزة الأمن والقضاء والنيابة وإنهاء حالة اللادولة وإيقاف سياسات التجويع وحرب الخدمات التي مورست على أبناء الجنوب منذ ما يقارب ثلاث سنوات.

ب‌. وبالنسبة للعقلاء في حكومة الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي وطاقمه ومستشاريه، فإنهم إذ يدركون أن الشرعية فشلت أو أفشلها القائمون عليها في كل شيء، فلا هي حررت صنعاء ولا هي احتفظت بالمناطق التي حررها أبناؤها في مأرب والجوف وتعز والحديدة، ولا هي وفرت خدمات للمناطق التي حررها أبناؤها في الجنوب والشمال ولا هي حمت الموارد من الناهبين ولصوص الثروات والأموال ولا هي حافظت على الممكنات المادية واللوجستية المقدمة من الأشقاء لتستخدمها في مواجهة الانقلابيين فلا أغاثت مستغيثاً ولا هزمت معتدياً ولا أنصفت مظلوماً ولا حمت حقاً ولا ردعت باطلاً، وكل ما تتميز به أنها شرعية ومعترف بها دوليا، وبالتالي فإن هؤلاء يدركون أن تنفيذ الاتفاق من خلال آلية التسريع سيمثل للشرعية استعادةً لماء الوجه المراق ومكسبا مجانيا لم تكن تحلم به ومن المفروض أن تعض عليه بالنواجذ.

على إن هناك جزءً مهما من طرف (أدعياء الشرعية) سيعلن أقطابه التغني بالاتفاق وآلية التسريع وسيدبجون المقالات والتغريدات والتبريكات وسيؤدون الصلوات ابتهالا وابتهاجاً، لكن هؤلاء هم من اعتادوا قول الشيء وفعل نقيضه.

ومن المؤسف أنه هؤلاء هم الممسكون بصناعة القرار وهم من سيفتعل مختلف الأسباب لإفشال تنفيذ الاتفاق كما فعلوا منذ نوفمبر 2019م حينما سلموا المواقع للحوثيين وسحبوا الفيالق والجيوش الجرارة باتجاه شبوة وأبين، وكأن الحوثي قد نقل قواته إلى شقرة وحبان ونصاب وقرن الكلاسي والطرية وجردان.

ما تشهده مناطق التماس بين قوات الشرعية والقوات الجنوبية من تصعيد من طرف واحد والاعتداء على مواقع القوات الجنوبية في الشيخ سالم والطريق في أبين، يمثل مؤشرا على أن هذا الطرف (المتخفي تحت عباءة الشرعية) المتضرر من اتفاق الرياض وآلية التسريع قد استنفر قواه وبدأ العمل بخطة الإفشال وما أكثر المبررات التي سيفتعلها أتباعه للحيلولة دون نجاح الاتفاق.

وختاما: تنفيذ اتفاق الرياض وآليته التنفيذية ليس مسؤولية الجنوبيين وقياداتهم في المجلس الانتقالي وقواتهم الجنوبية وحدهم، بل هو مسؤولية مشتركة بين هؤلاء وبين الأشقاء في دولتي السعودية والإمارات، ومعهم من تبقى من العقلاء المساهمين في صناعة قرارات الشرعية وعلى رأسهم الرئيس عبد ربه منصور هادي، وإفشال الاتفاق هو فشل للأطراف الثلاثة وخدمة مجانية لأنصار المشروعين الإيراني والتركي، سواء كانوا داخل جسم الشرعية أو خارجها.

وللحديث بقية.


* من صفحة الكاتب على الفيسبوك.

-->