فيصل الصوفيفيصل الصوفي

لا جاهل اليوم سوى حامل ثقافة الجهل

مقالات

2020-11-24 23:12:28

قبل نحو ستة وأربعين عاماً تقريباً نشر الكاتب العربي شوقي عبد الحكيم كتاباً حول علمنة الدولة وعقلنة التراث.. وفي ذكر حكاية الشاميين الذين انفعلوا بشائعة روجها شخص ما، زعم فيها أن مريم العذراء سوف تتجلى على جبل قاسيون القريب من دمشق عاصمة الجمهورية العربية السورية.. تصوروا رؤية ألوف المتدينين، يتدافعون ويتزاحمون وقد وجهوا أنظارهم نحو الجبل لرؤية السيدة مريم بشحمها ولحمها.. إن الثقافة العلمية التي نشرها اليسار الحاكم في سوريا، لم تكن محظوظة بجمهور يفكر ويعقل، كما أن هذا الجمهور لم يكن محظوظاً، لأنه صدق رواية مكذوباً بها عليه لترضي عواطفه الدينية، لكنه رجع خائباً.

الحالة الراهنة بعد أربعة عقود ونيف، أسوأ من التي كانت قبلها.. الكتيبات التي تكتب عن السحر والسحار والعلاج بالقرآن وعلاج المس، وعن رؤية فنون التعذيب في القبر والثعبان الأقرع الذي يتجنب اللصوص والفاسدين ومختلسي المال العام، والمتهربين من دفع الضرائب، كما يتجنب قطاع الطرق وقاطعي الرحم، ذلك أنه خلق لمهمة واحدة هي لدغ الموتى الذين كانوا في حياتهم يتبولون قائمين.

هذا شقي مصري يسلط أشعة ليزر على منارة كنيسة قبطية، فيتجمع مئات الألوف في الشوارع شاخصة أبصارهم إلى ضوء الليزر، إذ قد قيل لهم إنه هالة تحيط بالسيدة أم المسيح، التي حضرت لتباركهم في تلك الليلة السعيدة.. مثل هذه الحالة أيضا هناك عشرات الحالات المماثلة، فقد تجمع المؤمنون حول كنائس في آسيا وفي أوروبا لرؤية تجلي العذراء، بل لقد تجلت في أكثر من مكان في وقت واحد كما زعم المنومون ثقافيا، بينما في كل مرة كانوا يحتشدون كانت السيدة ترقد في القبر الذي دفنت فيه منذ موتها قبل أكثر من ألفي عام، ومع ذلك ظلت تحكم الأحياء من قبرها، كما يحكمهم دجالون أحياء وأموات أيضا.

كنا نعتقد أن للثقافة العلمية سلطاناً أو دوراً في تحسين قدرة الناس على التفكير، لكن حالات الغيبوبة العقلية ما تزال تنتشر بين الناس المتدينين وغير المتدينين، والمتعلمين وغير المتعلمين فرادى وجماعات، سواء وجدوا في مجتمع متقدم علميا مثل فرنسا أو متخلف مثل اليمن.. يتساوى في ذلك القديم مع الجديد، والاسلام والنصرانية واليهودية والبوذية، أو -إن شئت- قل أهل الإسلام وأهل الأديان الأخرى جميعها، لأن ما يتوافر بين أيادي رجال الدين من الأموال ووسائل التمكين جعلت جبروتهم على العقول والنفوس أشد قوة من جبروت الأديان نفسها، وإلا ليفسر لنا أحدهم حالة استاذ فيزياء فلكية ينتهي من مهمته العلمية في الجامعة،  ووقت استراحته يخرج من حقيبته تمثال بوذا، يصلي له ويحيه ويستعينه ويستهديه؟!

العاهة العقلية نفسها تجدها عند المسلمين.. الشيعة اليوم في العراق وإيران والبحرين والسعودية، يسيرون خلف إمام مات قبل أكثر من ألف عام.. يقول لهم إن الله خلق أرواح محمد وعلي وبنيه من الزهراء خلفاء الرسول في الإمامة (الحكم) -وفيهم المهدي المنتظر- قبل أن يخلق آدم.. لأنه لو خلق الخليقة دون أن يخلق لهم الخليفة المهدي المنتظر لعرضهم للتلف! كما يصدق الشيعة خرافة تقول إن سلمان الفارسي ضرب في الأرض أربع مائة عام طلباً للحجة قبل أن يلقى الرسول محمدا!

ويقول مخرف زيدي إن الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي، في صغره كان يلين الحديد الصلب، فإذا تعارك مع خصم لف رقبته بأسياخ الحديد، وأن طبيبا يهوديا كان يحضر على ظهر حمار إلى الدار لمداواة والد الهادي من داء الفالج، فانتهز الطفل الفرصة وحمل الحمار بين يديه وصعد به إلى سقف الدار، وهذه من دلائل صلاحه ونبوغه.. يسمع الزيدي هذه الأساطير وأسخف منها، فيهلل ويكبر.. وإلى هذه الساعة ما يزال المسلمون السنة يؤمنون بمقدم المهدي المنتظر الذي لا يختلف كثيرا عن كائنات وهمية أوجدها رجال دين مثل الفادي الذي توهمه مرازبة المجوس، والمخلص النصراني.. يؤمنون بهذا على الرغم من أنه ليس موجودا في دينهم الأصلي، بل أوجده رجال دين غير إصلاء!

-->