فيصل الصوفي

فيصل الصوفي

بين تديُّن أجوف وأخلاق إنسانية يدعمها دين

منذ 49 يوم و 23 ساعة و 56 دقيقة

وصلت ثروة مارك زوكيربيرغ، وزوجه بريسيلا تشان، خمسة وأربعين مليار دولار أميركي، فقرر منح الفقراء النسبة العظمى منها، وهي تسع وتسعين في المائة، وسينفق ذلك بمعدل مليار دولار في السنة الواحدة.. تبرع بيل جيتس وزوجه ميليندا، بخمسة وثلاثين مليار دولار، وزاد إلى ذلك أسهم في شركة مايكروسوفت بقيمة ستة عشر مليار دولار.. جيل انجرنكه تبرع بملياري دولار.. وارين ادوارد بوفيه، بلغت ثروته تسعين مليار دولار، تبرع منها بستة وثلاثين مليارا.. ماكنزي سكوت، مطلقة الثري جيف بيزوس، تبرعت بأربعة مليارات دولار ونصف مليار خلال أربعة أشهر لمساعدة ضحايا الفقر والأمراض، وتمويل جمعية (وجبات على عجلات)، التي تقدم الطعام لحوالي تسعمائة عائلة فقيرة.. تبرعات الغربيين والأميركيين الآخرين، مثل تبرع هذه السيدة... كلها من أجل أعمال البر: تشييد جامعات، مدارس، مستشفيات أو تزويدها بأجهزة وتجهيزات.. ومساعدة الطلاب، والمهمشين، والمدافعين عن الحقوق المدنية، الإسهام في تنظيف البيئة البحرية، ودعم مشروعات الصندوق العالمي للطبيعة. 

هؤلاء بعض كبار رجال المال والأعمال، وليس كلهم فالغرض هو ضرب المثل بالرشيدين لمن شاء أن يرشد ويفلح.. وفي الطبقة الأدنى عدد فاعلي الخير لا حصر لهم بما في ذلك الذين يتبنون يتامى ويتعهدون الكلاب والقطط بالرعاية.. أيضاً هناك العلماء المتبرعون بأفكارهم وخبراتهم وعلومهم وأوقاتهم وطاقاتهم من أجل ابتكار أدوية للأدواء.. وخلال السنة الماضية فقط تمكن صنف منهم من تحرير البشرية من فايروس كورونا، الكابوس المرعب الذي قتل حتى الآن أكثر من مليون ونصف إنسان.

نقول هذا، فيرد جهول أحمق فينا، أو يأتي آنوي (أناني) منا، يرد عليك: لا تمدح النصارى واليهود، فهؤلاء لا خير فيهم كلهم، ولا قيمة لتبرعاتهم، ولا يؤجرون، لأنهم لم يفعلوا ذلك لوجه الله، فالأصل هو إنما الأعمال بالنيات، وهؤلاء لم ينووا وجه الله، ولا دينه، كونهم كفارا، أي ليسوا بمسلمين، والدين عند الله الإسلام.

ترى هل هذا الذي يتبرع للفقراء ولأعمال البر.. وهذا العالم الذي يقضي ليله ونهاره في المختبر لكي يبتكر دواء للصداع وارتفاع ضغط الدم، ومرضى السكر، والايدز وكورونا، وغير ذلك، يريد إرضاء من، ومن أجل ماذا؟ إن قلت المال، فها هو يقاسم الفقراء ماله، وإن قلت من أجل الشهرة، فأي شهرة يبتغي بعد أن تبلغ سمعته أصقاع الأرض؟ هل تخلو هذه الأفعال من إيمان، وهل يقوم بها أصحابها وصلتهم بالسماء مقطوعة؟ إن كنت تزاحم الدنيا بدينك، فهؤلاء جمعوا بين الأخلاق الإنسانية، وبين تعاليم السماء، ومع ذلك متواضعون.. سويسرا والسويد واثنتا عشرة منظمة والأمم المتحدة نظمت اليوم مؤتمرا دوليا لجمع 3 مليارات و850 مليون دولار لإنقاذ اليمنيين من كارثة المجاعة المحققة، بينما هم يشتدون في الحرب والقتل، والمسئولون الحكوميون مشغولون بنهب المال العام.

ما فعلت أنت لوجه الله، وأنت الذي تقول بلسانك الأعمال بالنيات، والدين عند الله الإسلام؟ هل في سلوكك ما يدل على أنك تراعي مرضاة الله؟ تنهب المال العام وتصلي.. تنهر المسكين وتدع اليتيم، وتسبح وتكبر.. تحتال للكسب الحرام، ثم تذهب إلى البيت الحرام تطوف لكي ترجع كيوم ولدتك أمك.. في بالك أن الحج قد حط عنك أوزار أكل أموال الناس بالباطل، وأحل لك المال العام الذي نهبته أو اختلسته فألحقت ضرراً بالمجتمع كله.. تقول إن الذين ابتكروا لقاحات الحصانة من فيروسات شلل الأطفال وكورونا لم يبتغوا رضاء الله، فمن ترضي أنت عندما ترتاد المجالس وتعتلي المنابر لتحرض الآباء والأمهات على الامتناع عن تطعيم أطفالهم بمضادات الأمراض الستة؟ تلبس ثوباً قصيراً وتطيل لحيتك، وتجول بالمسواك في فمك، ثم تبيع المساكين والمغفلين السم الزعاف.. تغشهم في العسل ووقت الأذان تهرول إلى المسجد.. تعلم أن خلطات تقوية الباءة التي تركبها، ملوثة ومضرة، لكنك تبيعها لهم لتكسب.. تبيع لقليلي الخبرة السوقية سلعاً بأسعار تفوق ما تستحقه أنت وهي، ثم تبرر جرمك بقولة: البيع والشراء حرب المؤمنين! ما استحيت من الله، ولا استحيت من الخلق، ثم تقول: أولئك الغربيون النصارى اليهود كفار يتبرعون لأعمال البر لكن لا خلاق لهم، لأنهم لم يقصدوا بصنائعهم لخلق الله مرضاة الله!