سموم في غرف العلاج.. شحنة محاليل مرفوضة تهدد حياة مرضى الأورام بصنعاء

السياسية - منذ 56 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن:

في أروقة مركز الأورام بصنعاء، ينتظر مئات المرضى جرعاتهم العلاجية بأملٍ هشّ في النجاة من مرض ينهش أجسادهم يومًا بعد آخر. 

وبينما تتشبث أسر المرضى بأي فرصة للعلاج، تكشف وثائق ومعلومات صادمة عن شحنة محاليل وريدية مخصصة لمرضى السرطان، ثبت رسميًا فشلها وخطورتها، لكنها لا تزال حتى اليوم عرضة لمحاولات الإفراج عنها وإعادتها إلى الاستخدام الطبي، رغم التحذيرات من أن استخدامها قد يحوّل العلاج إلى خطر يهدد حياة المرضى بدلًا من إنقاذهم.

ووفقًا لمصادر خاصة ووثائق جرى نشرها الصحفي فارس الحميري على صفحته الخاصة في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: فإن شحنة أدوية خاصة بمركز الأورام في هيئة المستشفى الجمهوري التعليمي بصنعاء، جرى التحفظ عليها وتحريزها خلال العام 2024، بعد اكتشاف "إشكاليات خطيرة" فيها عقب إخضاعها للفحوصات الفنية.

وتضم الشحنة 23 صنفًا من المحاليل الوريدية المستخدمة في تخفيف وإعطاء أدوية السرطان للمرضى، وهي من المستلزمات الطبية الحساسة التي ترتبط بشكل مباشر بسلامة العلاج وفعاليته داخل مراكز الأورام.

وبحسب الوثائق، فإن الهيئة العليا للأدوية في صنعاء أجرت اختبارات تسريب على جميع أصناف الشحنة، وأظهرت النتائج فشل كافة الأصناف خلال الفحص، الأمر الذي دفع الهيئة إلى رفع مذكرة رسمية إلى وزير الصحة والبيئة للتحذير من مخاطر استخدامها.

وأكدت الهيئة، بحسب الوثائق، أن استخدام هذه المحاليل قد يؤدي إلى حدوث تلوث أثناء الحقن، فضلًا عن حدوث فاقد أثناء التسريب من تراكيز أدوية السرطان التي يتم تخفيفها عبر هذه المحاليل، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على الجرعات العلاجية المقدمة للمرضى، ويؤثر على كفاءة العلاج وسلامة المرضى في آن واحد.

وأوصت الهيئة العليا للأدوية بشكل واضح بسحب الشحنة وإتلافها، معتبرة أنها غير صالحة للاستخدام الطبي وتشكل تهديدًا حقيقيًا على حياة المرضى، لا سيما مرضى السرطان الذين يعتمد علاجهم على دقة الجرعات وجودة المحاليل المستخدمة.

غير أن القضية لم تتوقف عند حدود الفشل الفني للشحنة، إذ كشفت الوثائق أيضًا عن شبهات تلاعب في البيانات والشهادات الخاصة بها. ووفق المعلومات، فإن الشركة الموردة، وهي "شركة ديدة" التي رست عليها المناقصة، قامت – بحسب الوثائق – بتغيير شعار الشركة المصنعة واستبداله بشعار الشركة المقدمة للمناقصة بغرض استيراد المحاليل الوريدية.

ورغم صدور توجيهات رسمية بإتلاف الشحنة منذ أشهر، إلا أن المصادر أكدت أنها ما تزال محتجزة حتى اليوم، بعد أن نجحت ضغوط مارسها نافذون خلال الفترة الماضية في وقف تنفيذ قرار الإتلاف.

وأشارت المصادر إلى أن الأيام الأخيرة شهدت تحركات وضغوطًا جديدة تهدف إلى الإفراج عن الشحنة وإعادة تمريرها للاستخدام داخل المرافق الطبية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من احتمال وصول هذه المحاليل إلى مرضى مركز الأورام.

ويحذر مختصون من أن أي إعادة لاستخدام هذه المحاليل قد تعني تعريض مئات المرضى لمضاعفات خطيرة، خصوصًا أن مرضى السرطان يعانون أصلًا من ضعف المناعة وحساسية شديدة تجاه أي تلوث أو خلل في الأدوية والمحاليل المستخدمة في العلاج الكيميائي.

وتسلط هذه القضية الضوء على حجم الاختلالات التي تضرب قطاع الدواء في مناطق سيطرة الحوثيين، وسط اتهامات متكررة بضعف الرقابة ووجود تدخلات نافذة في ملفات المناقصات والاستيراد الدوائي، رغم ما تمثله هذه الملفات من ارتباط مباشر بحياة آلاف المرضى.

كما تعيد القضية إلى الواجهة المخاوف المتزايدة بشأن سلامة الأدوية والمستلزمات الطبية المتداولة في الأسواق والمستشفيات، في بلد يعيش قطاعه الصحي واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، ويعتمد فيه المرضى على منظومة صحية منهكة تعاني من نقص التمويل والإمكانات والرقابة الفاعلة.

وبين قرارات الإتلاف المعطلة وضغوط الإفراج المستمرة، تبقى حياة مئات المرضى معلقة على مصير شحنة محاليل تقول الوثائق الرسمية إنها "فاشلة وخطرة"، بينما يخشى كثيرون أن تنتهي هذه القضية بإعادة ضخها إلى غرف العلاج بدلًا من التخلص منها نهائيًا.