روبيو يبدأ من أبوظبي مهمة ترميم الثقة الخليجية بعد التفاهم مع إيران

السياسية - منذ ساعة و 23 دقيقة
أبوظبي، نيوزيمن:

بدأ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، جولة خليجية تشمل الإمارات والكويت والبحرين، في تحرك دبلوماسي يعكس إدراك الإدارة الأميركية لحجم القلق المتصاعد لدى حلفائها الخليجيين عقب التفاهم الذي توصلت إليه واشنطن مع إيران لإنهاء الحرب الأخيرة وفتح مسار تفاوضي جديد بين الجانبين.

واختار روبيو العاصمة الإماراتية أبوظبي لتكون المحطة الأولى في جولته، حيث التقى رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، في زيارة تحمل أبعاداً سياسية وأمنية تتجاوز الطابع البروتوكولي، وتأتي في توقيت حساس تشهد فيه المنطقة إعادة رسم لمعادلات الأمن الإقليمي بعد أشهر من التصعيد العسكري غير المسبوق.

وتُعد هذه الجولة الأولى لمسؤول أميركي بهذا المستوى منذ توقيع مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية التي أوقفت المواجهة العسكرية بين البلدين وفتحت نافذة تفاوضية تمتد لستين يوماً بهدف التوصل إلى اتفاق أوسع يشمل ملفات سياسية وأمنية واقتصادية معقدة.

وتسعى واشنطن من خلال الجولة إلى تبديد المخاوف الخليجية من أن يأتي أي تقارب مع طهران على حساب مصالح وأمن دول المنطقة، خاصة أن الحرب الأخيرة أظهرت حجم التهديدات التي يمكن أن تتعرض لها دول الخليج نتيجة التوترات الإقليمية.

ويرى مراقبون أن الإدارة الأميركية تدرك أن نجاح أي تفاهم طويل الأمد مع إيران يتطلب الحفاظ في الوقت ذاته على ثقة الحلفاء التقليديين في الخليج، الذين يشكلون الركيزة الأساسية للسياسة الأميركية في المنطقة منذ عقود.

وفي هذا السياق، تحمل زيارة روبيو رسائل مباشرة مفادها أن التفاهم مع إيران لا يعني التخلي عن الالتزامات الأمنية الأميركية تجاه شركائها الخليجيين، بل يهدف – وفق الرؤية الأميركية – إلى خفض مستوى التوتر وخلق بيئة أكثر استقراراً تسمح بتجنب اندلاع مواجهات عسكرية جديدة قد تهدد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.

وبرز ملف أمن الملاحة في مضيق هرمز كأحد أبرز القضايا المطروحة على جدول أعمال الجولة الخليجية، في ظل استمرار الجدل الإقليمي بشأن إدارة الممر المائي الأكثر أهمية لتجارة الطاقة العالمية.

وقبيل وصوله إلى الإمارات، أكد روبيو أن الولايات المتحدة ترفض أي محاولة لفرض رسوم أو قيود على حركة العبور في المضيق، مشدداً على أن الممرات المائية الدولية يجب أن تبقى مفتوحة أمام الجميع وفقاً للقوانين الدولية.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتواصل فيه النقاشات بشأن حقوق السيادة وإدارة الملاحة في المضيق، بعد تصريحات ومواقف سابقة لكل من إيران وسلطنة عمان أكدت حقهما في إدارة أجزاء من الممر البحري الواقع ضمن نطاقهما الجغرافي.

ويمثل مضيق هرمز شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، إذ تمر عبره كميات ضخمة من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج إلى الأسواق الدولية، ما يجعل أي تهديد لحركة الملاحة فيه مصدر قلق عالمي واسع.

ورغم الإعلان عن وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، فإن آثار المواجهة العسكرية لا تزال تلقي بظلالها على المشهد الإقليمي، خصوصاً في دول الخليج التي وجدت نفسها في قلب التوترات العسكرية خلال الأشهر الماضية.

وأظهرت الحرب الأخيرة هشاشة البيئة الأمنية في المنطقة، بعدما تعرضت منشآت حيوية وبنى تحتية استراتيجية لسلسلة من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول فعالية منظومات الردع والحماية الإقليمية.

وبحسب تقديرات متداولة، كانت الإمارات من أكثر الدول تأثراً بالهجمات الإيرانية خلال فترة المواجهة، فيما طالت التداعيات أيضاً الكويت والبحرين وعدداً من المنشآت المرتبطة بقطاع الطاقة والنقل البحري.

ويعتقد محللون أن جزءاً مهماً من مهمة روبيو يتمثل في طمأنة هذه الدول بأن أي ترتيبات سياسية جديدة مع طهران لن تأتي على حساب أمنها أو مصالحها الاستراتيجية.

ورغم الترحيب الحذر الذي أبدته بعض العواصم الخليجية تجاه وقف الحرب، إلا أن العديد من التساؤلات لا تزال قائمة بشأن طبيعة التفاهم الأميركي الإيراني وحدوده المستقبلية.

وتتركز المخاوف الخليجية حول غياب ملفات أساسية عن مذكرة التفاهم الحالية، وفي مقدمتها برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وشبكة الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران في عدد من دول المنطقة، فضلاً عن الدور الإقليمي لإيران في ملفات اليمن والعراق وسوريا ولبنان.

ويرى مراقبون أن هذه القضايا تمثل جوهر التهديدات الأمنية بالنسبة لدول الخليج، وأن تجاهلها في أي اتفاق مستقبلي قد يحد من قدرة التفاهم الأميركي الإيراني على تحقيق استقرار دائم في المنطقة.

ومن المنتظر أن يواصل روبيو جولته بزيارة الكويت قبل أن يتوجه إلى البحرين للمشاركة في اجتماع يضم دول مجلس التعاون الخليجي، حيث ستتصدر ملفات الأمن الإقليمي والدفاع المشترك وأمن الطاقة والممرات البحرية جدول أعمال المباحثات.

وتأتي هذه الاجتماعات في ظل توجه أميركي لإعادة تنشيط آليات التنسيق الأمني مع دول الخليج بعد الحرب الأخيرة، والعمل على صياغة رؤية مشتركة للتعامل مع التحديات الجديدة التي أفرزتها المرحلة الحالية.

كما يُتوقع أن تتناول المناقشات سبل تعزيز قدرات الدفاع الجوي والبحري، وتطوير منظومات الإنذار المبكر، ورفع مستوى التعاون الاستخباراتي لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ويرى خبراء في الشؤون الدولية أن جولة روبيو تمثل اختباراً مبكراً لمدى قدرة الولايات المتحدة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب مع إيران، خاصة في ظل سعيها لتحقيق توازن دقيق بين استمرار التهدئة مع طهران والحفاظ على شبكة تحالفاتها التقليدية في الخليج.

ويؤكد هؤلاء أن نجاح واشنطن في هذه المهمة لن يعتمد فقط على الضمانات السياسية التي تقدمها لحلفائها، بل على قدرتها على ترجمة تلك التعهدات إلى إجراءات عملية تعزز أمن المنطقة وتمنع تكرار سيناريوهات التصعيد التي شهدتها الأشهر الماضية.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو جولة وزير الخارجية الأميركي أكثر من مجرد زيارة دبلوماسية عابرة، إذ تمثل جزءاً من جهود أوسع لإعادة ترتيب المشهد الأمني في الخليج وتثبيت معادلات جديدة لما بعد الحرب، في وقت لا تزال فيه المنطقة تواجه تحديات معقدة تتعلق بالأمن والاستقرار ومستقبل العلاقات بين القوى الإقليمية والدولية.