اغتيال الصحفي محمد عيضة.. ضحية الاختراق الأمني في المكلا
السياسية - منذ ساعة و 36 دقيقة
المكلا، نيوزيمن، خاص:
هزّت جريمة اغتيال الصحفي محمد عيضة، مراسل قناتي "العربية" و"الحدث"، مدينة المكلا ومحافظة حضرموت عموماً، بعدما قُتل إثر انفجار عبوة ناسفة شديدة الانفجار زُرعت في سيارته وفُجرت عن بُعد أثناء مروره في أحد الشوارع الرئيسية بالمدينة، في عملية أعادت إلى الأذهان مشاهد الاغتيالات الإرهابية التي عرفتها المحافظة خلال سنوات سابقة.
ولم تكن الجريمة مجرد حادثة استهداف فردية لصحفي بارز، بل مثلت تطوراً أمنياً خطيراً أعاد فتح ملفات الإرهاب والخلايا النائمة والاختراقات الأمنية، في محافظة ظلت تُقدَّم طوال السنوات العشر الماضية كنموذج للاستقرار النسبي مقارنة بمناطق أخرى في اليمن.
تكشف المعلومات الأولية أن الصحفي محمد عيضة لم يكن هدفاً مجهولاً بالنسبة للأجهزة الأمنية، إذ تشير شهادات مقربين منه ومصادر إعلامية إلى أنه تلقى تهديدات متكررة خلال الأشهر والسنوات الماضية بسبب نشاطه الإعلامي، كما أبلغته الأجهزة الأمنية في حضرموت قبل نحو شهر بوجود معلومات مؤكدة عن تهديد يستهدف حياته.
هذه المعطيات تطرح تساؤلات صعبة حول كيفية تمكن الجناة من تنفيذ عملية بهذا المستوى من الدقة رغم وجود معلومات مسبقة عن التهديدات، وتضع الأجهزة الأمنية أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرتها على حماية الأشخاص المستهدفين ومواجهة الخلايا التي ترصد تحركاتهم وتنفذ عملياتها داخل المدن.
ويرى مراقبون أن نجاح منفذي العملية في زرع عبوة ناسفة أسفل مقعد السائق ومراقبة تحركات الضحية وتحديد توقيت التفجير، يمثل مؤشراً واضحاً على وجود اختراق أمني خطير، ويكشف عن ثغرات في المنظومة الأمنية والاستخباراتية يفترض أن تخضع لمراجعة عاجلة.
الأسلوب المستخدم في تنفيذ الجريمة أعاد إلى الواجهة أساليب الاغتيالات التي اشتهرت بها تنظيمات إرهابية مثل القاعدة خلال سنوات الفوضى الأمنية، حيث اعتمدت تلك الجماعات على العبوات الناسفة المزروعة في المركبات والاستهداف المباشر للشخصيات الأمنية والعسكرية والإعلامية.
غير أن عدداً من الصحفيين والكتاب والناشطين السياسيين ربطوا بين الجريمة وبين التهديدات التي كان يتعرض لها محمد عيضة منذ سنوات بسبب تغطيته الإعلامية المناهضة لميليشيات الحوثي.
الكاتب الصحفي نبيل الصوفي اعتبر أن اغتيال عيضة يأتي ضمن ما وصفه بـ"الوحشية الحوثية التي لم ولن تتوقف"، مشيراً إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت سلسلة عمليات استهداف واغتيالات طالت شخصيات عسكرية وأمنية ومدنية في مناطق مختلفة، معتبراً أن ما جرى في المكلا يحمل مؤشرات على عودة نشاط أدوات الاغتيال المرتبطة بالمشروع الحوثي خارج مناطق سيطرته.
ويرى متابعون أن الجهة المنفذة، أياً كانت هويتها، سعت من خلال العملية إلى إيصال رسالة تتجاوز استهداف شخص واحد، عبر إعادة أسلوب الاغتيالات إلى مدينة ظلت لسنوات بعيدة عن هذا النوع من العمليات.
في خضم الصدمة التي أعقبت الحادثة، برزت انتقادات واسعة للأجهزة الأمنية بسبب عدم اتخاذ إجراءات وقائية كافية رغم التحذيرات المسبقة.
الكاتب عبدالرحمن بن عطية أكد أن عيضة أبلغ الجهات الأمنية مراراً بالتهديدات التي يتعرض لها، وأن المعلومات بشأن الخطر المحدق به كانت معروفة لدى المسؤولين الأمنيين، معتبراً أن الصحفي الراحل "راح ضحية تقاعس وخذلان كبير".
وأضاف أن الجميع كان يعلم بوجود خلايا يشتبه بارتباطها بالحوثيين تتعقبه منذ سنوات، غير أن ذلك لم يتحول إلى إجراءات حماية فعالة تمنع وقوع الجريمة.
وتكتسب هذه الانتقادات أهمية خاصة في ظل تأكيدات متكررة بأن الضحية كان يعيش هاجس الاغتيال بشكل دائم، ويتخذ احتياطات شخصية خوفاً من الاستهداف، ما يجعل نجاح المنفذين في الوصول إليه مؤشراً على فشل أمني يستوجب المساءلة.
وتكشف شهادات مقربين من الصحفي الراحل أن محمد عيضة لم يكن مجرد مراسل ميداني، بل شخصية إعلامية تعرضت لملاحقات وضغوط مستمرة منذ سنوات. ويقول الكاتب باسل بامعس إن عيضة فرّ من صنعاء بعد تعرضه للملاحقة بسبب تقارير صحفية كشفت ملفات فساد مرتبطة بالحوثيين، وتعرض منزله للمداهمة، كما ظل شقيقه معتقلاً في سجون الجماعة لسنوات.
وبحسب شهادات زملائه، فإن عيضة اختار المكلا باعتبارها بيئة أكثر أمناً له ولأسرته، إلا أن التهديدات لم تتوقف، وظل هاجس الاغتيال يرافقه حتى لحظاته الأخيرة. وتضيف هذه الوقائع بعداً آخر للجريمة، إذ تجعلها امتداداً لصراع طويل بين الصحفي الراحل وبين جهات كانت تعتبر نشاطه الإعلامي تهديداً مباشراً لها.
واعتبرت المكونات أن اغتيال محمد عيضة يمثل جرس إنذار خطيراً يستوجب مراجعة شاملة للمنظومة الأمنية والعسكرية في المحافظة. وأكدت المكونات أن استهداف صحفي أثناء أداء عمله لا يهدد حرية الإعلام فحسب، بل يمس أمن المجتمع واستقرار المحافظة، داعين إلى إعادة تقييم الأداء الأمني والاستخباراتي ورفع مستوى الجاهزية لمواجهة الاختراقات الأمنية. كما شددا على ضرورة معالجة أوجه القصور ومحاسبة أي عناصر يثبت تورطها أو ارتباطها بجهات تسعى إلى زعزعة الأمن والاستقرار في حضرموت.
وبينما ينتظر الشارع نتائج التحقيقات، يبقى الثابت أن اغتيال محمد عيضة أعاد ملف الإرهاب والاغتيالات السياسية والأمنية إلى صدارة المشهد الحضرمي، وأطلق إنذاراً مبكراً بشأن تحديات قد تكون المحافظة مقبلة عليها إذا لم تُتخذ إجراءات حازمة لمعالجة مكامن الخلل وملاحقة الشبكات التي تقف خلف هذه الجرائم.
>
