الحوثي.. مشروع هيمنة إيرانية صادر الدولة وأفشل فرص السلام

السياسية - منذ ساعة و 18 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:

على مدى أكثر من عقد، لم تنجح ميليشيا الحوثي في تقديم نفسها كمشروع وطني يعبر عن مصالح اليمنيين، بقدر ما كرّست حضورها كجماعة مسلحة ارتبط مسارها السياسي والعسكري بأجندات إقليمية، دفعت اليمن ثمنها باهظًا على المستويات الإنسانية والاقتصادية والأمنية.

فمنذ انقلابها على الدولة في سبتمبر 2014، لم تقتصر تداعيات المشروع الحوثي على إسقاط مؤسسات الدولة الشرعية، بل امتدت إلى تفكيك مؤسساتها، وتحويل مقدرات البلاد إلى أدوات لخدمة اقتصاد الحرب، في وقت وجد فيه ملايين اليمنيين أنفسهم رهائن لصراع طال أمده، وانهيار اقتصادي غير مسبوق، وتراجع حاد في الخدمات الأساسية.

وخلال سنوات الحرب، اتبعت الجماعة سياسة قائمة على إدارة الأزمات لا حلها، إذ عمدت إلى توظيف الملف الإنساني والاقتصادي كورقة ضغط سياسية، مستفيدة من سيطرتها على الموانئ والموارد العامة ومؤسسات الدولة، بينما واجه السكان في مناطق سيطرتها أزمات متفاقمة في الغذاء والرواتب والخدمات، وسط اتهامات محلية ودولية باستغلال المساعدات الإنسانية وفرض الجبايات والإتاوات لتمويل مجهودها الحربي.

وقال الكاتب الصحفي سمير اليوسفي إن جماعة الحوثي "لم تكن يومًا مشروعًا وطنيًا"، بل ظهرت منذ بداياتها كأداة لإخضاع اليمن لرهانات خارجية، وتحويله إلى ساحة نفوذ تخدم أجندات لا تعكس هوية المجتمع اليمني أو مصالحه الوطنية.

وأضاف اليوسفي أن الجماعة، منذ سيطرتها على مؤسسات الدولة، عملت على تفكيك بنية الدولة وتحويل مقدراتها إلى أدوات صراع، حيث جرى توظيف الموانئ كورقة ضغط، واستغلال الوضع الإنساني، بما في ذلك الجوع والاحتياجات المعيشية، كوسائل لإدارة النفوذ والسيطرة بدلًا من معالجتها كأزمات وطنية.

ويرى مراقبون أن الحوثيين نجحوا في تحويل اليمن إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، بعدما ربطوا قرار الحرب والسلم بحسابات تتجاوز الحدود اليمنية، وهو ما انعكس بوضوح في تبني الجماعة خطابًا سياسيًا وعسكريًا يتماهى مع استراتيجية إيران في المنطقة، سواء عبر الهجمات العابرة للحدود أو استهداف الملاحة الدولية أو التصعيد ضد دول الجوار.

كما يؤكد محللون أن الجماعة لم تتعامل مع أي مبادرة سلام باعتبارها فرصة لإنهاء الحرب، وإنما باعتبارها محطة لإعادة التموضع العسكري والسياسي. فكلما اقتربت الجهود الإقليمية والدولية من تحقيق اختراق في الملف اليمني، عادت الجماعة إلى التصعيد الميداني أو إطلاق التهديدات، في محاولة لتحسين شروطها التفاوضية وفرض وقائع جديدة على الأرض.

ولم يقتصر أثر هذا النهج على تعطيل المسار السياسي، بل أدى إلى تعميق الانقسام الداخلي، وإضعاف مؤسسات الدولة، وإطالة أمد الأزمة الإنسانية التي تصنفها الأمم المتحدة ضمن الأسوأ عالميًا، في ظل استمرار النزوح وتراجع الاقتصاد وانهيار العملة في مناطق الحكومة، مقابل تشديد القبضة الأمنية والاقتصادية في مناطق سيطرة الجماعة.

ويشير مراقبون إلى أن المشروع الحوثي اعتمد منذ نشأته على منطق القوة المسلحة بدلًا من التوافق الوطني، الأمر الذي أفرز بنية سلطوية قائمة على التعبئة الأيديولوجية، وإقصاء الخصوم، وإحلال الولاء للجماعة محل مؤسسات الدولة، وهو ما جعل فرص بناء سلام دائم أكثر تعقيدًا.

وفي المقابل، لم يحقق هذا النهج استقرارًا في مناطق سيطرة الحوثيين، بل أسهم في اتساع دائرة الفقر والبطالة، وتراجع النشاط الاقتصادي، وتصاعد السخط الشعبي نتيجة استمرار فرض الجبايات والتجنيد، وحرمان الموظفين من رواتبهم لسنوات، في الوقت الذي واصلت فيه الجماعة توجيه مواردها نحو تعزيز قدراتها العسكرية.

وأشار إلى أن الحرب التي يعيشها اليمن لم تعد مجرد صراع داخلي، بل تحولت إلى حروب بالوكالة يدفع ثمنها المواطن اليمني وحده، في ظل استمرار استنزاف الموارد وتوسيع رقعة الدمار في مختلف المحافظات.

وفي سياق حديثه، اعتبر اليوسفي أن سلوك الجماعة يعكس نمطًا ثابتًا في التعامل مع جهود السلام، حيث “يقابل كل دعوة للتهدئة بمزيد من التصعيد”، على حد قوله، ما يعرقل أي مسار سياسي جاد ويعيد إنتاج حالة الحرب بشكل مستمر.

ويؤكد محللون أن مستقبل اليمن لا يمكن أن يُبنى في ظل استمرار هيمنة المليشيات المسلحة أو ارتهان القرار الوطني لمشاريع خارجية، بل يتطلب استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإطلاق عملية سياسية تستند إلى الشراكة الوطنية وسيادة القانون بعيدًا عن منطق القوة والإملاءات.

وبينما تواصل الجماعة تقديم نفسها طرفًا سياسيًا منفتحًا على السلام، يرى مراقبون أن المعيار الحقيقي لقياس جدية أي توجه نحو التسوية لا يكمن في الخطابات والبيانات، وإنما في وقف العمليات العسكرية، وإنهاء الانتهاكات بحق المدنيين، والتخلي عن استخدام الأزمات الإنسانية كورقة تفاوض، والالتزام الفعلي بمسار يضع مصلحة اليمنيين فوق حسابات الصراع الإقليمي.

وختم الكاتب الصحفي سمير اليوسفي تعليقه بالإشارة إلى أن اليمن – رغم ما يمر به من أزمات – "يبقى أوسع من مشاريع الهيمنة وأبقى من الجماعات المسلحة"، مؤكدًا أن استعادة الدولة وهويتها ومؤسساتها تظل ممكنة، وأن المجتمع اليمني قادر في نهاية المطاف على تجاوز حالة الارتهان وإعادة بناء مستقبله على أسس وطنية جامعة.

وبعد سنوات من الحرب، لا يزال اليمنيون يدفعون ثمن مشروع يرى كثيرون أنه لم يُنتج دولة، بل عمّق الانقسام، وأطال أمد الصراع، وربط مستقبل البلاد بحسابات تتجاوز حدودها، في وقت تتزايد فيه المطالب باستعادة الدولة وإنهاء حقبة السلاح، باعتبار ذلك المدخل الوحيد لاستعادة الاستقرار وبناء مستقبل يستجيب لتطلعات اليمنيين.