من عدن إلى المكلا.. السابع من يوليو يرسم ملامح مرحلة جنوبية جديدة
الجنوب - منذ ساعة و 14 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:
في كل عام يعود السابع من يوليو محملاً بذاكرة سياسية مثقلة بالأحداث بالنسبة للجنوبيين، لكنه هذا العام عاد بصورة مختلفة، ليس باعتباره مجرد ذكرى تاريخية مرتبطة بحرب صيف 1994، بل كعنوان لموجة احتجاجات واسعة أعادت طرح القضية الجنوبية بقوة على طاولة الأحداث، وأظهرت أن مطالب قطاعات واسعة من أبناء الجنوب ما تزال حاضرة في الشارع رغم التحولات الإقليمية والدولية التي شهدتها السنوات الماضية.
ففي عدد من المحافظات الجنوبية، خرج الآلاف استجابة للدعوة التي وجهها المجلس الانتقالي الجنوبي العربي للمشاركة في «مليونية التصعيد ورفض الوصاية والاحتلال»، في مشهد عكس قدرة المجلس على الحشد والتنظيم، وفي الوقت ذاته كشف حجم التوتر القائم بين القوى السياسية المختلفة حول مستقبل الجنوب ومسار القضية الجنوبية.
ولعل ما منح هذه الفعاليات زخماً استثنائياً لم يكن فقط حجم المشاركة الجماهيرية، بل التطورات التي رافقتها، خصوصاً في عدن والمكلا، حيث تحولت الساحات والشوارع إلى مسرح لمواجهة سياسية وأمنية عكست حجم التعقيدات التي تحيط بالمشهد الجنوبي.
في العاصمة عدن، بدت ساحة العروض في خورمكسر وكأنها تستعيد مشاهد الحشد الكبرى التي ارتبطت بمحطات مفصلية في تاريخ الحراك الجنوبي. آلاف المشاركين توافدوا من مختلف المحافظات والمديريات رافعين الأعلام الجنوبية ولافتات تؤكد تمسكهم بحق تقرير المصير واستعادة الدولة الجنوبية، فيما تصدرت الشعارات الرافضة لما يصفه المحتجون بـ"الوصاية الخارجية" المشهد العام للفعالية.
غير أن المشهد لم ينته بانتهاء الفعالية الجماهيرية، إذ سرعان ما تصاعد التوتر عقب انتشار قوات أمنية في محيط ساحة العروض وإغلاق عدد من الطرق المؤدية إليها، قبل أن تتحدث مصادر محلية عن إطلاق نار لتفريق المحتجين، ما أدى إلى سقوط جرحى وحالة من التوتر والاحتقان بين المشاركين.
وفي حضرموت، كانت الصورة أكثر حساسية وتعقيداً. فالمكلا التي تمثل اليوم إحدى أهم ساحات التنافس السياسي في الجنوب، شهدت إجراءات أمنية مشددة لمنع المحتجين من الوصول إلى مواقع التجمع المحددة، وسط تقارير محلية تحدثت عن استخدام الرصاص الحي ووقوع إصابات في صفوف المشاركين، إضافة إلى اعتقالات طالت عدداً من الناشطين.
هذه الأحداث لم تُقرأ في الأوساط الجنوبية باعتبارها إجراءات أمنية عابرة، بل جرى التعامل معها كجزء من صراع سياسي أوسع يتجاوز حدود تنظيم فعالية جماهيرية أو منعها، ليصل إلى جوهر التنافس حول تمثيل الجنوب ومستقبله السياسي.
ويعتقد مراقبون أن ما حدث في عدن والمكلا يعكس حالة الاستقطاب المتصاعدة داخل الساحة الجنوبية، في ظل تزايد الخلافات بشأن شكل التسوية السياسية المقبلة، وموقع الجنوب فيها، والجهة التي ستمثل تطلعات أبنائه خلال أي ترتيبات سياسية قادمة.
ويكتسب هذا التصعيد أهمية إضافية لأنه يأتي في وقت تمر فيه المحافظات الجنوبية بأوضاع اقتصادية ومعيشية هي الأكثر صعوبة منذ سنوات. فالتدهور المستمر للخدمات الأساسية، والانهيار المتواصل للعملة المحلية، واتساع رقعة الفقر والبطالة، كلها عوامل دفعت قطاعات واسعة من المواطنين إلى التعبير عن حالة السخط الشعبي المتنامية، وهو ما منح الاحتجاجات بعداً يتجاوز المطالب السياسية ليشمل الأبعاد المعيشية والخدمية.
ويرى متابعون أن الرسالة الأبرز التي حملتها احتجاجات السابع من يوليو تمثلت في إعادة القضية الجنوبية إلى واجهة المشهد، بعد فترة من التراجع النسبي في الاهتمام الإقليمي والدولي بها نتيجة انشغال المنطقة بملفات وأزمات أخرى.
فالمشاركة الواسعة التي شهدتها الفعاليات أكدت أن القضية الجنوبية ما تزال تمثل أولوية سياسية بالنسبة لقطاعات واسعة من أبناء الجنوب، وأن أي تسوية مستقبلية لا يمكن أن تتجاوز هذا الواقع أو تتعامل معه باعتباره ملفاً ثانوياً.
وفي المقابل، فإن لجوء السلطات الأمنية إلى استخدام القوة لمنع أو تفريق بعض التجمعات، يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مستقبل العلاقة بين السلطات والقوى السياسية الفاعلة في الجنوب، ومدى قدرة الأطراف المختلفة على إدارة خلافاتها ضمن أطر سياسية سلمية بعيداً عن التصعيد الأمني.
كما أن الاعتقالات والتضييقات التي رافقت بعض الفعاليات من شأنها أن تزيد من حالة الاحتقان الشعبي، خصوصاً في ظل تصاعد الخطاب السياسي المتبادل بين مختلف القوى والمكونات الجنوبية.
وبالنسبة للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي، فقد شكلت هذه الفعاليات فرصة لتأكيد حضوره الشعبي والسياسي، وتجديد التمسك بمشروع استعادة الدولة الجنوبية، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية متسارعة قد تعيد رسم ملامح التسويات المستقبلية في اليمن والمنطقة.
أما بالنسبة للسلطات المحلية والقوى المناوئة للمجلس، فإن التعامل مع هذه الاحتجاجات يضعها أمام اختبار حساس يتعلق بقدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن والاستقرار من جهة، وضمان الحقوق والحريات السياسية من جهة أخرى.
ومع انتهاء فعاليات السابع من يوليو، تبدو الحقيقة الأكثر وضوحاً أن الجنوب دخل مرحلة سياسية جديدة عنوانها تصاعد المطالب الشعبية وتزايد الضغوط السياسية، وأن الرسائل التي خرجت من عدن والمكلا وسيئون والمهرة تجاوزت حدود المناسبة السنوية لتتحول إلى مؤشر على تحولات أعمق، قد تلقي بظلالها على مجمل المشهد اليمني خلال المرحلة المقبلة.
فالشارع الجنوبي، كما أظهرت أحداث اليوم، لا يزال يمتلك القدرة على فرض حضوره في المعادلة السياسية، فيما تبقى كيفية التعامل مع هذه الرسائل عاملاً حاسماً في تحديد مسار الأحداث ومستقبل الاستقرار في الجنوب خلال الفترة القادمة.
>
